شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عوامل الصبر والثبات (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض من الخطبة:

- تصبير وتذكير لكل مسلم يلقى الأذى والاضطهاد في كل زمان ومكان بما تعرض له الصحابة -رضي الله عنهم- في صدر الإسلام، وبيان العوامل والأسباب التي أعانتهم على تحمل ذلك.

المقدمة:

- السيرة النبوية منهج حياة يُقتدى به في كل زمان: قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) ، وقال: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90) .

- جملة مختصرة جدًّا عن فشل الوسائل القرشية لإحباط الدعوة بعد ظهورها: "السخرية والتحقير والتكذيب، وإثارة الشبهات وتكثيف الدعايات الكاذبة، والحيلولة بين الناس وبين سماعهم تعاليم الإسلام".

- قريش تنتقل إلى وسائل الاضطهاد والتعذيب: قال في الرحيق المختوم: "فجرُّوا على المسلمين -ولاسيما الضعفاء منهم- ويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب".

صور من التعرض لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاضطهاد والأذى:

- أبو بكر الصديق: لقد أوذي وحُثي على رأسه التراب، وضُرب في المسجد الحرام بالنعال حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت.

- بلال بن رباح الحبشي: كان أمية بن خلف يطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ويأمر أن توضع على صدره الصخرة العظيمة، ويقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: "أحدٌ، أحد".

- عمار بن ياسر وأبوه وأمه: كان آل ياسر موالي لبني مخزوم، فلما أسلموا صبوا عليهم العذاب صبًّا، فكانوا يخرجونهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة ويقلبونهم ظهرًا وبطنًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يمر عليهم وهم يعذبون فيقول: ( صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وقال الألباني: حسن صحيح) ، وجاء أبو جهل إلى سميه بنت خياط -أم عمار رضي الله عنها- فقتلها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، واشتدوا على ياسر بالعذاب فلم يلبث أن مات -رضي الله عنه- تحت التعذيب، أما عمار -رضي الله عنه- فقد عاش بعد أهله زمنًا يكابد صنوف العذاب ألوانًا.

- مصعب بن عمير -رضي الله عنه-: كان مصعب بن عمير -رضي الله عنه- أنعم غلام بمكة -من أبناء الطبقات الغنية المرفهة-، كتم إسلامه خوفًا من أمه وقومه، ولما علمت أمه وقومه أخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسًا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "لقد رأيته جهد في الإسلام جهدًا شديدًا حتى لقد رأيت جلده يتحشف - أي يتطاير-"، ولما مات يوم أحد ولم يجدوا له كفنًا!

- أبو فـُكَيَهة "أفلح" -مولى لبني عبد الدار-: كانوا يخرجونه من نصف النهار في حر شديد، وفي رجليه قيد من حديد، فيجردونه من الثياب ويبطحونه في الرمضاء، ثم يضعون على ظهره صخرة حتى لا يتحرك، فكان يبقى كذلك حتى لا يعقل.

- خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: كان مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، وكان حدادًا، فلما أسلم عذبته مولاته بالنار، كانت تأتي بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره ورأسه ليكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فلم يكن يزيده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، وكان المشركون أيضًا يعذبونه، فيلوون عنقه، ويجذبون شعره، وقد ألقوه على النار ثم سحبوه عليها فما أطفأها إلا ودك ظهره -شحم ظهره-.

- زِنّيرَة: كانت زِنِّيرَةُ أمَةً رومية قد أسلمت فعذبت في الله، وأصيبت في بصرها حتى عميت، فقيل لها: أصابتك اللات والعزى، فقالت: لا والله ما أصابتني، وهذا من الله، وإن شاء كشفه، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا بعض سحر محمد.

عوامل الصبر والثبات في مواجهة هذه الاضطهادات:

وهنا يقف الحليم حيران، ويتساءل عقلاء الرجال فيما بينهم: ما هي الأسباب والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه الغاية القصوى والحد المعجز من الثبات؟!

كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر لسماعها الجلود وترجف لها الأفئدة؟! ونظرًا إلى هذا الذي يتخالج القلوب نرى أن نشير إلى بعض هذه العوامل والأسباب.

1- معرفة الواقع وفقه المرحلة:

- علموا أن الواقع هو مرحلة استضعاف: أتى عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- وأصحابه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة فقالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ: ( إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلا تُقَاتِلُوا ) فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) (النساء:77) . (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

- علموا أن فقه المرحلة هو ترك المواجهة والصدام؛ حيث نزلت في هذه الأيام: قال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ) (النساء:77) .

الصفحة التالية