مناهج الإصلاح (1) مقدمة في مناهج الإصلاح
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
إذن الخلاف قد يكون خلافًا جذريًّا وشديدًا إذا بدأ من نقطة المرجعية (مرجعية الصلاح), أو إذا اتفقنا على المرجعية ثم اختلفنا في وصف الصلاح الموجود في هذه المرجعية التي اتفقنا عليها، هذا في علم الصلاح كمرجعية وكوصف تفصيلي.
وبطبيعة الحال فإننا إذا اختلفنا في مرجعية الصلاح سنكون مختلفين جزمًا في تعريف الصلاح وفي التشخيص, أما إذا اتفقنا في تعريف الصلاح فلا يلزم أن نتفق في كل تشخيص وفي كل علاج، ولكننا سنلاحظ عمومًا أن دائرة الخلاف ستكون أضيق.
5- الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين خلاف جذري في مرجعية الصلاح:
رغم أن موضوع الدراسة منصب بصفة أساسية على مناهج الإصلاح عند الحركة الإسلامية، ولكن لا بأس طالما أننا تناولنا الموضوع من أوله وقمنا بتحليل عناصر عملية الإصلاح أن نشير هنا إلى أن الخلاف بين مَن يسميهم الناس بالإسلاميين وبين العلمانيين هو في نقطة المرجعية؛ أي في أول نقطة.
وعلى هذا... فإن هذا الاختلاف جذري وجوهري, فالإسلاميون يقولون: إن حال الصلاح نعرفها بالرجوع إلى الإسلام, فالإسلام يصف لنا حال صلاح الفرد والمجتمع والدولة، ونحو ذلك، مع الأخذ في الاعتبار أن دائرة المباح في الإسلام واسعة، وهي أمور تحيل فيها الشريعة البشر على تجاربهم البشرية.
ومن هنا عبَّر البعض عن ذلك بأن الشريعة الإسلامية عند المسلمين تمثل "المرجعية العليا" حيث يمكن أن يكون هناك مرجعيات أخرى، ولكن بشرط ألا تتعارض مع تلك المرجعية, فالمرجعية العليا للصلاح عند الإسلاميين هي بالرجوع إلى الإسلام, والعلمانيون يقولون: إن المرجعية لصلاح المجتمع والدولة هي الرجوع إلى التجارب البشرية.
وكما ذكرنا فإن الإسلاميين لا يرفضون الرجوع إلى التجارب البشرية، ولكن شريطة ألا تتعارض مع المرجعية الأعلى التي هي "الشريعة", فإذا أحالتنا الشريعة في باب الزراعة أو الصناعة ونحو ذلك إلى وسائل وأمور مباحات، فنرجع فيها إلى تجارب المسلمين والكفار، ولا فرق طالما أنها في إطار المباح.
أما أن التجارب البشرية تقول جدلاً إن إقامة النظام الاقتصادي على الربا هو النظام الاقتصادي الناجح، فلا نعول على هذه التجربة، ونقول: لا، بل المرجعية الشرعية أعلى، أو يأتي أحد ويقول إنه يرى نزع الملكية الفردية... فكل هذه أمور لا تجوز, وهذه هي العلمانية باختصار؛ فهي تقول إنه فيما يتعلق بتنظيم شئون المجتمع والدولة: لا يُرجع إلى الدين!
وعلى هذا، فالاشتراكية والرأسمالية أو أي فكرة طالما لم تُستقَ من الدين فهي مقبولة من حيث المبدأ, فالرأسمالية والشيوعية كمذهبين اقتصاديين على العكس من بعضهم تمامًا, لكن كلاهما نابع من أنها تجربة بشرية، فإذا العلمانية تقول لك: إنه من حيث المبدأ عليك أن تدرس المذهبين على قدم المساواة ثم تتخير أيهما أفضل؟ إلى غير ذلك, بينما يقول الإسلاميون: إنه لا يمكن أن ندرس أي رأي أو أي نظرية إلا إذا كانت في المساحة التي أباحها الشرع, فلا تتعارض مع ما شرع الله -تبارك وتعالى-، فالإسلاميون يريدون أن يضعوا الإطار العام الذي يقول: إن الشريعة أولاً ثم بعد ذلك التجارب البشرية.
فإن قيل: إن التجارب البشرية مختلفة؛ فكيف نختار بينها؟!
نقول: لا بأس بآلية البرلمان أو بغيرها، لكن أهم شيء أن تثبت المرجعية العليا ثم الاختيار بين الأشياء.
6- الخلاف بين الإسلاميين في قضية الإصلاح:
قررنا أن الخلاف بين الإسلاميين والعلمانيين راجع للاختلاف في قضية المرجعية, وأما الخلاف بين الإسلاميين فيشمل صورًا؛ حيث إن منهم طائفة هي أقرب ما يكونون إلى العلمانيين، وهم مَن يسميهم الناس بالعقلانيين، وأشدهم غلوًّا مَن يسمون بالقرآنيين!
وهؤلاء بعد أن يقولوا بمرجعية الإسلام يرون أن مِن حقهم أن يتعقبوا نصوص الوحي بعقولهم! أو أن يقولوا: نكتفي بالقرآن ونترك السنة! فكيف نكتفي بالقرآن ونترك السنة مع قوله -تعالى-: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (النحل:44) ؟!
فالذي أنزل القرآن أخبرنا بأن هذا القرآن يحتاج إلى بيان, وأن البيان موجود في ذكر آخر هو أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن يقول: سآخذه بغير بيانه فهو إذن متعمد للمخالفة تقريبًا؛ لأنه إذا كان معظمًا للقرآن ويريد اتباعه ففي القرآن أن ثمة بيان لهذا الذي في القرآن، وأنه محتاج في ذلك البيان لمصدر آخر قد أرشد القرآن نفسُه إليه؛ فالخلاف إذن في مسألة المرجعية.
وهؤلاء كان الخلاف معهم قديمًا في قضايا كانت تأخذ منحى عقديًّا, في مسائل الأسماء والصفات، ومسائل القضاء والقدر, والإيمان والكفر، ونحوها، وأما الآن فهم يطبقون المنهج نفسه في قضايا معاصرة حتى سماهم البعض أو سموا أنفسهم بـ"المعتزلة الجدد", مع أنهم لا عناية لهم تقريبًا بمسائل الأسماء والصفات، والقدر، والإيمان والكفر، والأشياء التي ميزت منهج المعتزلة في القديم, ولكن هم يقولون إن منهجهم هو نفس منهج الاستدلال عند المعتزلة ونفس المرجعية, وبالتالي فهم يطبقون هذا الكلام في مسائل سياسية كمسألة ولاية الكافر، وولاية المرأة، والعلاقات الدولية، وبعض الفتاوى الفقهية، إلى غير ذلك.
ويقابل هؤلاء مَن يقولون: إن مرجعيتهم هي الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فالكتاب تقريبا مُتفق عليه عند كل من يقول بمرجعية الإسلام, فأقل شيء أن يقول الكتاب.
فنقول: طالما بدأنا بالكتاب فحسنًا، لنلتزم إذن بما فيه، وقد وجدنا فيه: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ( الحشر:7) ، ووجدنا فيه أن هناك ذكرًا آخر مبيِّنًا لهذا الذكر: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (النحل:44) ، فلزم أن نعود إلى السنة.