تأملات إيمانية في أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلنتأمل هذا الترتيب الرائع العظيم في هذا الدعاء من أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ... ) (متفق عليه) ، فإن العبد لن يستطيع المخاصمة إلا إذا كان منيبًا إلى الله، فهو لا يخاصم إلا لله، وبالله -عز وجل-.
وأكثر الخلق يخاصمون غيرهم لحظوظ أنفسهم، وليس هذا من التسليم لله -عز وجل-، بل مَن أسلم لله فإنه لا يخاصم إلا لله، ولا يخاصم كذلك إلا به مستعينا به -عز وجل- متوكلاً عليه؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا خاصمنا لحقوق أنفسنا فقد ضاعت منا حقيقة الاستسلام لله، وإذا خاصمنا بأنفسنا وبتدبيرنا ولم نستشعر فقرنا وعجزنا، واحتياجنا التام وضرورتنا التامة إلى الله -عز وجل- وكلنا الله إلى أنفسنا، وصارت قوة الأعداء تؤثر ما لا نستطيع دفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المخاصمة لا تكون إلا بالله ولله:
فأما إذا خاصمنا بالله، فهذه ثمرة الإسلام والإيمان، والتوكل والإنابة: فإن العبد إذا أناب إلى الله خاصم بالله، أي خاصم مستعينا بقوة الله -عز وجل-، فصار القليل منه كثيرًا، وغلبت الفئة القليلة الفئة الكثيرة -بإذن الله- كما قال -تعالى-: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) ، وصرف الله -عز وجل- عن عباده المؤمنين من أنواع الكيد والمكر ما قد أحاط بهم أعداؤهم وأوشكوا أن يستأصلوهم، ولكن الله -عز وجل- يقلب قلوب خلقه بما شاء، ويصرِّف إرادتهم وقوتهم بأمره، وهذه ثمرة مَن خاصم بالله -عز وجل- أن يصرف عنه السوء وأذى المؤذين وظلم الظالمين؛ إلا ما يقدِّره الله -عز وجل- عليه من بلاء يجعل له فيه خيرًا كثيرًا حتى يستكمل عبوديته لله -عز وجل-.
ولابد أن نستشعر في صراع أهل الحق مع أهل الباطل عبر الزمان والمكان أن أهل الإيمان لم ينتصروا قط بعدد وعدة، وتخطيط وكيد، وإنما انتصروا بالله -عز وجل-: قال الله -تعالى-: ( وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (آل عمران:126) ، وإنما ينتصرون بالله -عز وجل- إذا خاصموا به، وإذا صالوا به، وإذا قاتلوا به، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في مواجهة عدوه وإذا غزا: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتَ عَضُدِي ) معناه: أنت الذي تعضدني وتقويني وتعينني، فالله -عز وجل- هو الذي يستعين به أهل الإيمان، وهذا معنى المخاصمة بالله -عز وجل-.
وأما المخاصمة لله -عز وجل-: فإن أهل الأيمان يخاصمون لله، أي: لحقه -عز وجل-، فلا ينتقمون لأنفسهم ولا يغضبون لها، وكما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لنفسه، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ" (متفق عليه) ، وكما قال أنس -رضي الله عنه-: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلا صَنَعْتَ" (متفق عليه) ، وفي رواية لأحمد بسندٍ صحيح: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ عَنْهُ أَوْ ضَيَّعْتُهُ فَلامَنِي، فَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلا قَالَ: ( دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ -أَوْ قَالَ: لَوْ قُضِيَ- أَنْ يَكُونَ كَانَ ).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، وَلا خَادِمًا، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" (رواه مسلم) .
وكذلك كان لا يضرب الناس بين يديه -صلى الله عليه وسلم-: فعن قدامة بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لا ضَرْبَ، وَلا طَرْدَ، وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ" (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) : أي: لا يُدفع الناس عنه، ولا يجرون ولا يقال لأحدهم: قف عندك، لا تتقدم، وإنما ركب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناقة؛ لأن الناس لقوه وغطوه، ومنعوه من السعي والحركة، فكان لا يضرب الناس بين يديه -صلى الله عليه وسلم-؛ هكذا كان أنبياء الله -عز وجل- لا ينتصرون لأنفسهم، وإنما ينتقمون لله ويعفون حظوظ أنفسهم، وبهذا أحبهم الناس، وبهذا قذف الله في قلوب الناس تعظيمهم، ولا أظن أن مَن لم ينتقم لنفسه ضاعت حقوقه، بل الله يحفظها. ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:64) .
وأنتَ إذا سامحت في حق نفسك، وفَّى الله لك حقك كاملاً موقرًا من عنده، ومن عفا وأصلح فأجره على الله -عز وجل-، كما قال -تعالى-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) (الشورى:40) ، فإذا عفوت عمن آذاك، وأحسنت إلى مَن أساء إليك، وأعطيت من حرمك ووصلت من قطعك؛ فقد أخذت بالمكيال الأوفى، وصرتَ مخاصمًا لله دون أن تخاصِم لنفسك.