شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

ويجب التنبيه هنا أيضًا إلى أن هذا في الحكم العام، وأما فيما يتعلق بحكم ردة شخص بعينه فلابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع حتى تثبت الحجة، فإن الله -عز وجل- لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة، والحجة من كتاب الله -عز وجل- بينة، تُبين لمن خالف شرع الله وتوضح له، وتزال الشبهات وتنفى المعاذير من إكراه أو جهل أو تأويل، أو غير ذلك مما قد يقع فيه بعض من يقع في هذا الذي نهى الله -عز وجل- وحذر منه النبي -صلى الله عليه وسلم- من تحريف الكلم عن مواضعه لتبديل شرع الله وإقامة الحجة وإزالة المعاذير لأهل العلم، وليس ذلك لآحاد الناس الذين لا يعرفون ما يسوغ من التأويل وما لا يسوغ، وما المقبول من أنواع الجهل وما المردود، وما يعذر فيه وما لا يعذر، وما الذي يعد إكراهًا معتبرًا وما لا يعد كذلك، فأهل العلم هم الذين يبينون ذلك وهم الذين توكل إليهم هذه الأحكام، وكذا أهل القضاء بشرع الله.

وأما الذي ينشغل به المؤمن فهو ما يخصه من ذلك في حياته كلها، فهو دائمًا يحكم بشرع الله -تعالى-، ويحاكم إلى الله وإلى كتابه وإلى سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويدعو غيره كذلك إلى هذا الأمر، ويلجأ إلى أهل العلم ليحكموا بينه وبين من خالفه بشرع الله.

وليس الأمر مقتصرًا على الخصومات التي تصل إلى القضاء أو غير ذلك، بل في كل مسألة وقع فيها اختلاف بين البشر، فيما يتعلق بالقلوب وأحوالها ومنازلها أو فيما يتعلق بالأعمال والعبادات، أو فيما يتعلق بالمعاملات، فكل مسألة وقع فيها اختلاف يكون حال المؤمن مع لسانه قائلاً: " اللَّهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ".

والمؤمن في تحاكمه باذل جهده، مستفرغ وسعه في أن يحاكم نفسه وخصمه ومخالفيه في كل شيء؛ في مسائل الاعتقاد والإيمان، وفي مسائل الأعمال والمعاملات، وفي مسائل القلوب وأحوالها ومنازلها، وفي مسائل السلوك والأخلاق، وفي الموقف من الأحداث التي تقع حوله - إلى شرع الله وكتابه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وإجماع أهل السنة، وما يتفرع على هذه الثلاثة أمور من قياس صحيح أو مصلحة معتبرة أو غير ذلك.

الصفحة السابقة