مفترق طرق... (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنحتاج إلى وقفة للمقارنة بين واقعنا الأليم والوصية العظيمة التي أوصى الله بها بني إسرائيل، وهي وصية لنا كذلك؛ إذ هذا مما لا تختلف فيه الشرائع، بل أمتنا آكد في الأمر بذلك، إذ إن مسئوليتها في قيادة العالم وهدايته تقتضي قدرة في التواصل مع الناس جميعهم: مؤمنهم وكافرهم؛ لتوصيل الصورة الصحيحة للإسلام إلى الخلق، وبذل كل جهد لهدايتهم إليه.
قال ابن كثير -رحمه الله- في هذه الآية: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (البقرة:83) : "أي كلموهم طيبًا ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الحسن البصري في قوله -تعالى-: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رَضِيَه الله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ، فَالْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي" (تفسير ابن كثير 1/ 317، بتصرف يسير) .
أين نحن مِن هذه الوصية؟!
خصوصًا في حواراتنا مع مَن خالفنا... سواء كان في الحوار المباشر أو على صفحات "الفيس بوك" الذي يحتاج منا إلى "إعادة نظر"، وكذا المواقع الإلكترونية والصحف، وسائر وسائل الإعلام التي تؤجج روح العداوة والكراهية والبغضاء بين الناس، والحدة والعنف في الحوار؛ حتى ليتأمل الناظر فيما يُقال ويُكتب فيظن أن أشد الأعداء عداوة هم أبناء الدين الواحد والوطن الواحد!
وقد أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- في خطابهما لفرعون -لعنه الله- وهو مِن أبغض خلق الله إلى الله وإلى المؤمنين في كل زمان لجبروته وطغيانه - بالقول اللين، فقال: ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:43-44) ؛ لأن الكلام اللين أقرب إلى القبول والتذكر والخشية.
وأصحاب السمت الإسلامي والدعوة الإسلامية أولى الناس بهذه الوصايا حتى نكون قدوة للمجتمع كله في الإحسان القولي والعملي؛ خاصة في الظروف الصعبة التي تمر بها أمتنا، وقد صارت "القسوة" سمة غالبة على مجتمعاتنا في الأقوال والأفعال!
وأشد هذه القسوة -بلا شك- "سفك الدماء" بغير حق، وأذية الناس في أبدانهم وأعراضهم وأموالهم بغير حق، ومن ذلك: بدع التكفير، والتضليل، واللعن، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ) (رواه البخاري) ، وإذا تضمن التكفير واللعن والتبديع قطاعات عريضة من المجتمع تشمل ملايين الناس؛ فالذنب متضاعف، والجريمة أغلظ.
فليذكِّر بعضنا بعضًا، وليوصِ بعضنا بعضًا بهذه الوصية: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا )، ولنرفق بمخالفينا، ولنلتزم بأدب الاختلاف ما دام كان ضمن الاجتهاد السائغ، وحتى إذا تجاوزه إلى غير السائغ فالرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.
نسأل الله أن يهيئ لأمتنا أمرَ رشدٍ يُعز فيه أهل طاعته، ويُهدى فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.