شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (5) معالم صلاح الدولة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

4- العقد بين الحاكم "الحكومة" والأمة عقد وكالة:

خاطب الله -سبحانه- الأمة بتنفيذ أحكام الشرع وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإقامة المجتمع الإسلامي الفاضل في نصوص كثيرة، منها: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَن الْمُنْكَرِ ) (التوبة:71) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ ) (النساء:135) ، ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) (المائدة:38) ، ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ) (النور:2) ، فهذه النصوص وأمثالها كثير... تدل على مسئولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام.

وما دامت الأمة مسئولة عن تنفيذ أحكام الإسلام ومطالبَة بها؛ فهي تملك -بداهة- السلطة على هذا التنفيذ "بتمليك من الشارع"، وحيث إن جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع؛ فقد ظهرت النيابة في الحكم والسلطان بأن تختار الأمة الحاكمَ (الحكومة) لينوب عنها في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعًا؛ لأن إنابة المالك غيره في مباشرة ما يملكه أمر جائز كما هو معروف في نظرية النيابة في الفقه الإسلامي.

رابعًا: قيم نظام الحكم الإسلامي:

يختلف الحكم الإسلامي عن غيره اختلافًا جذريًّا في أن دوره هو حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين، بينما تهدف بقية الأنظمة إلى سياسة الدنيا بما تجتهد فيه البشرية، فيصيبون حينًا ويخطئون أحيانًا مع أن القيم التي تدَّعي هذه النظم تحقيقها لا تُحقق على الوجه الصحيح وبدون أن تتعارض مع بعضها البعض.

وهذه القيم والمقاصد، هي:

1- العدل:

العدل مِن أهم الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام, وتحقيق العدل يحقق الأمن والاستقرار في أي مجتمع من المجتمعات، وجاء الأمر بالعدل في القرآن الكريم في كثير من الآيات، منها: قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (النساء:58) . والأمر بالعدل هنا للوجوب.

وقد جاء في السنة ما يدل على عظم فضل العدل : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) (رواه مسلم) ، وقد عظَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- خطورة عدم إقامة العدل، فقال: ( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً, يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلِيْهِ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) . وقد ذكر ابن حجر -رحمه الله- في شرح هذا الحديث أن هذا وعيد شديد على أئمة الجور.

والسبب في عناية علماء الإسلام بهذه القاعدة: أنها أساس صلاح الإنسانية وسعادتها، فإن تحقق العدل في حياة البشرية سعدت واستقرت، وهو واجب في كل نواحي الحياة: السياسية, والاقتصادية, والاجتماعية, وكذلك واجب التطبيق على مستوى المؤسسات: كالقضاء، والجيش، والتعليم, وعلى مستوى الأفراد بدون استثناء.

2- المساواة:

المساواة هي عدم التفرقة بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس قِبَلي أو إقليمي أو اقتصادي... إلى غير ذلك من الأمور التي هي خارجة عن إرادته وسعيه.

وهناك نصوص كثيرة تقرر مبدأ المساواة في الإسلام، منها: قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات:13) ، وهي مِن القيم التي اشتطت فيها معظم النظم؛ لا سيما "الليبرالية المعاصرة"، والتي بالغت في معنى المساواة "خاصة بين الرجل والمرأة" حتى كادت أن تجعل كلاً منهما مسخًا، لا هو بالرجل ولا بالمرأة!

وفي الواقع: إن الشريعة تأتي بالمساواة حال التشابه، وبالعدل القائم على تقابل الحقوق والواجبات حال الاختلاف، فتسوي بين الرجل والمرأة في "أصل التكريم، وأصل التكليف"، وتجعل الأصل: ( إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، ثم عند الاختلاف الذي ما خلقه الله إلا للتكامل، تجعل هذا التكامل قائمًا على تكافئ الحقوق والواجبات ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) .

3- الحرية:

وهي الإذن للإنسان بالتصرف في شئونه كلها بما لا يخالف الشريعة الإسلامية.

معنى الحرية السياسية: "هي الحالة التي تمكِّن الفرد من أن يكون له الحق في اختيار الحاكم ومراقبته أو محاسبته سواء أكان عن طريق مباشر أم عن طريق ممثله، وممثل الأمة من أهل الحل والعقد".

وقد يطول بنا المقام لو أردنا أن نفصِّل في ذكر النظام السياسي في الإسلام، ولكن المسألة الأكثر إلحاحًا في العصر الحديث، هي مدى شرعية المشاركة السياسية في النظم الدستورية الحديثة التي يُعمل بها الآن في كل دول العالم إلا النذر اليسير، وقد ذكرتُ شيئًا من هذا في مقال: "الإسلام والديمقراطية... مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف" فليراجعه مَن شاء.

الصفحة السابقة