فتوى الشيخ عطية صقر -رحمه الله- في حكم الاحتفال بشم النسيم
الشيخ ياسر برهامي • أسئلة متنوعة
أما الأقباط وهم المصريون الذين اعتنقوا المسيحية فكانوا قبل مسيحيتهم يحتفلون بعيد شم النسيم كالعادة القديمة، أما بعد اعتناقهم للدين الجديد فقد وجدوا أن للاحتفال بعيد "شم النسيم" مظاهر وثنية لا يقرها الدين، وهم لا يستطيعون التخلص من التقاليد القديمة، فحاولوا تعديلها أو صبغها بصبغة تتفق مع الدين الجديد، فاعتبروا هذا اليوم يوما مباركًا بدأت فيه الخليقة، وبشَّر فيه "جبريل" "مريم العذراء" بحملها للمسيح، وهو اليوم الذي تقوم فيه القيامة ويحشر الخلق، ويذكرنا هذا بحديث رواه مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) رواه مسلم .
فاحتفل "أقباط مصر" بـ"شم النسيم" قوميًّا باعتباره عيد "الربيع"، ودينيًّا باعتباره عيد البشارة، ومزجوا فيه بين التقاليد الفرعونية والتقاليد الدينية، وكان الأقباط يصومون أربعين يومًا لذكرى الأربعين التي صامها "المسيح" -عليه السلام-، وكان هذا الصوم يبدأ عقب عيد "الغطاس" مباشرة، فنقله البطريرك الإِسكندري ديمتريوس الكرام، وهو البطريرك الثامن عشر "188 - 234م" إلى ما قبل عيد "القيامة" مباشرة، وأدمج في هذا الصوم صوم "أسبوع الآلام"، فبلغت عدته خمسة وخمسين يومًا، وهو الصوم الكبير.
وعمَّ ذلك في أيام مجمع نيقية "325م"، وبهذا أصبح عيد "الربيع" يقع في أيام الصوم -إن لم يكن في "أسبوع الآلام"-، فحرم على المسيحيين أن يحتفلوا بهذا العيد كعادتهم القديمة في تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ولما عزَّ عليهم ترك ما درجوا عليه زمنـًا طويلاً؛ تخلصوا من هذا المأزق، فجعلوا هذا العيد عيدين، أحدهما: عيد "البشارة"، يحتفل به دينيًّا في موضعه، والثاني: عيد "الربيع"، ونقلوه إلى ما بعد عيد "القيامة"؛ لتكون لهم الحرية في تناول ما يشاءون، فجعلوه يوم الاثنين التالي لعيد القيامة مباشرة، ويسمى كنسيًّا: "اثنين الفصح" كما نقل الجرمانيون عيد "الربيع"؛ ليحل في أول شهر "مايو".
من هذا نرى أن "شم النسيم" بعد أن كان عيدًا فرعونيًّا قوميًّا يتصل بالزراعة جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطـًا بـ"الصوم الكبير"، وبعيد "الفصح" أو "القيامة"، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسي والتقويم القمري معًا، ذلك أن الاعتدال الربيعي مرتبط بالتقويم الشمسي، والبدر مرتبط بالتقويم القمري، وبينهما اختلاف كما هو معروف، وكان هذا سببًا في اختلاف موعده من عام لآخر، وفى زيادة الاختلاف حين تغير حساب السنة الشمسية من التقويم اليولياني إلى التقويم الجريجوري.
وبيان ذلك:
أن التقويم القمري كان شائعًا في "الدولة الرومانية"، فأبطله "يوليوس قيصر"، وأنشأ تقويمًا شمسيًا، قدر فيه السنة بـ 25،365 يومًا، واستخدم طريقة السنة الكبيسة مرة كل أربع سنوات، وأمر "يوليوس قيصر" باستخدام هذا التقويم رسميًّا في عام 708 من تأسيس "روما"، وكان سنة 46 قبل الميلاد، وسمى بـ"التقويم اليولياني".
واستمر العمل به حتى سنة 1582م حيث لاحظ الفلكيون في عهد بابا "روما" جريجوريوس الثالث عشر خطأ في الحساب الشمسي، وأن الفرق بين السنة المعمول بها والحساب الحقيقي هو 11 دقيقة، 14 ثانية، وهو يعادل يومًا في كل 128 عامًا، وصحح البابا الخطأ المتراكم فأصبح يوم 5 من أكتوبر سنة 1582 هو يوم 15 أكتوبر سنة 1582م وهو التقويم المعروف بـ"الجريجوري" السائد الآن.
وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم 29 من أغسطس سنة 284م، الذي استشهد فيه كثيرون أيام "دقلديانوس"؛ جعلوه قائمًا على الحساب اليولياني الشمسي، لكن ربطوه دينيًّا بالتقويم القمري، وقد بني على قاعدة وضعها الفلكي "متيون" في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهرًا قمريًا، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادي، وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك "ديمتريوس الكرام"، وساعده في ذلك الفلكي المصري "بطليموس".
وبهذا يحدد عيد "القيامة" الذي يعقبه "شم النسيم" بأنه الأحد التالي للقمر الكامل "البدر" الذي يلي الاعتدال الربيعي مباشرة، وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمري لحساب ظهور القمر الجديد، وأوجهه لمئات السنين "وهو المسمى بحساب الألقطي"، وطبقوه على التقويم "الروماني اليولياني"، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطي، واستمر ذلك حتى سنة 1582م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل "الجريجوري". ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد "القيامة" و"شم النسيم".
أستمحيك عفوًا -أيها القارئ الكريم-؛ إذ أتعبتك بذكر تطورات التقويم وتغير مواعيد الأعياد، إذ قد لخصتها من عدة مواضع من كتاب "تاريخ الحضارة المصرية"، ومن بحث للدكتور عبد الحميد لطفي في مجلة الثقافة "عدد 121" لسنتها الثالثة في 22/4/ 1941م ومن منشورات بالصحف: الجمهورية 15/4/1985، الأهرام 20/4/1987، 11/4 /1988، فإني قصدت بذلك أن تعرف أن عيد "الربيع" الحقيقي ثابت في موعده كل عام؛ لارتباطه بالتقويم الشمسي.
أما عيد "شم النسيم" فإنه موعد يتغير كل عام؛ لاعتماده مع التقويم الشمسي على الدورة القمرية، وهو مرتبط بالأعياد الدينية غير الإسلامية، ولهذه الصفة الدينية زادت فيه طقوس ومظاهر على ما كان معهودًا أيام الفراعنة وغيرهم، فحرص الناس فيه على أكل البيض والأسماك المملحة، وذلك ناشئ من تحريمها عليهم في الصوم الذي يمسكون فيه عن كل ما فيه روح أو ناشئ منه، وحرصوا على تلوين البيض بالأحمر، ولعل ذلك؛ لأنه رمز إلى دم "المسيح" على ما يعتقدون، وقد تفنن الناس في البيض وتلوينه حتى كان لبعضه شهرة في التاريخ.
