إني على بينة من ربي
عصام حسنين • المنهج السلفي
وما مِن إجماع إلا وعليه دليل مِن الكتاب والسُّنة كما بَيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في نقد مراتب الإجماع، ومِن البينات أيضًا القياس الجلي إذا تحققت شروطه عند جمهور أهل العلم، ودليله قوله -تعالى-: ( اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) (الشورى:17) ، والميزان هو ما توزن به الأمور ويقايس بينها، وقوله -صلى الله عليه وسلم- لمن سألته الصيام عن أمها بعد موتها: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: ( أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ ) قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ ) (رواه مسلم) .
فهنا قاس -صلى الله عليه وسلم- دين الله على دين الآدمي، وفي كتاب عمر لأبي موسى -رضي الله عنهما- في القضاء "ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة, ثم قايس الأمور عندك, واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها إلى الحق" (انظر شرح الأصول لابن عثيمين) .
هذه الأصول الثلاثة هي البينات وهي الميزان الذي يُوزن به جميع أقوال وأعمال الناس الدينية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "... وهم يَزِنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس مِن أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين "أي بالكتاب والسُّنة والإجماع"، والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح "أي الصحابة -رضي الله عنهم-", إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة" (اهـ مِن العقيدة الواسطية) .
وكل ذلك بفهم سلف الأمة -رضوان الله عليهم- كما قال الله تعالى-: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:137) . أي: الصحابة.
وقال عن قول المنافقين: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) (البقرة:13) .
والمقصود بالناس هنا: الصحابة بالاتفاق؛ فتولى الله الرد عليهم فقال -سبحانه وتعالى-: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (البقرة:13) .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في بيان طريقة أهل السُّنة والجماعة العملية: "ثم مِن طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين مِن المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ويؤثرون كلام الله على كلام غيره مِن كلام أصناف الناس، ويقدِّمون هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- على هدي كل أحد، وبهذا سموا: أهل الكتاب والسُّنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين... " (اهـ مِن العقيدة الواسطية) .
قال محمد بن سيرين -رحمه الله-: "كانوا يقولون: إذا كان الرجل على الأثر؛ فهو على الطريق" (الشريعة للآجري) .
والله -تعالى- أعلم، وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى.