شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرة في الفتن

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

هذا القرآن ذكر للعالمين وسوف يعلمون، وقد علموا نبأه بعد حين، فسيعلمون النبأ العظيم بظهور الإسلام في كل مكان، سيعلمونه بعد حين كما كان مِن ذلك أن يشاء الله أن يكون، وقد علم المشركون ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم مِن أنه ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (القمر:45) ، وهكذا تكون العزة ويكون النصر باليقين بوعد الله، والصبر على طريق الحق والثبات عليه دون ارتباط بشخص أو مكان أو عمل معين إلا طاعة الله -عز وجل- التي لا ينفك عنها المؤمنون في كل حال مِن الأحوال ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .

فقد قضى الله بعدله وحكمته أن يجعل الفرج مع الكرب، والنصر مع الصبر، وأن يجعل مع العسر يسرًا، كما أخبر بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن الله يجعل في اليقين أرفع المراتب، وفي الصبر معه وصول الإنسان إلى الإمامة في الدين؛ كما قال -عز وجل-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) .

ومِن أعظم اليقين أهمية في حياة المؤمن أن يوقن بظهور الإسلام وعزِّ هذا الدين، وأن الله -عز وجل- يدخله كل مكان وصل إليه ضوء الشمس وبلغه الليل والنهار، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ, وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ؛ بِعِزِّ عَزِيزٍ, أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ, عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ, وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وقال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (المجادلة:20-21) ، وصفاته -عز وجل- لا يمكن أن تتغير وتتبدل؛ فهو القوي العزيز، وهو الرحيم بعباده المؤمنين ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الشعراء:9) ؛ بعزته أعز المؤمنين بأن وفقهم للقول الطيب والعمل الصالح، كما قال -تعالى-: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (فاطر:10) .

فلا بد أن نوقن بهذه الوعود مِن الله -تعالى- بأن الباطل يزهق ويضمحل، وأن الحق يبقى ويزدهر ويعلو -بإذن الله-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) .

لكن لا بد أن نهتم بالعلم والعمل والدعوة إلى الله والتربية الإيمانية، والتعاهد لكل أبناء الدعوة وأبناء المجتمع على الخير ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ ولو أن كل واحد منا جعل مهمته أربعة أو خمسة مِن أبناء المسلمين يهتم بهم، ويتعاهدهم في صلاتهم، وفي أخلاقهم، وفي سلوكياتهم؛ يعلمهم ما يلزمهم، ويرشدهم إلى ما ينفعهم؛ فإن ذلك يكون مِن أعظم أسباب نشر الحق في المجتمع.

نحتاج إلى أن نكسر الحواجز بيننا وبيْن الناس التي يريد الأعداء أن يفرضوها علينا؛ يريدون إما أن نتحوصل ضد المجتمع حتى يطحن المجتمع أبناء العمل الإسلامي، وإما أن نتحوصل خارجه، وأن يفرضوا علينا حُجُبا وحواجز بيننا وبيْن الخلق.

ولا بد لنا أن نخترق هذه الحواجز، وندعو إلى الله -سبحانه وتعالى- بكل ما نستطيع مِن قوة، وأن نجتهد في إفشاء السلام، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ( أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ) (رواه مسلم) .

ولربما غاب هذا عن الكثيرين حتى لا يختلطون بالناس فيعمقون نظرة التعالي التي يحاول الأعداء أن يرسموها عنا في مخيلة كثير مِن الناس؛ لذا فمِن أعظم ما تواجَه به الفتن قوة الترابط بيننا وبيْن أبناء مجتمعنا، وقوة الترابط بينا وبين بعضنا البعض حتى نكون نسيجًا واحدًا.

لا بد أن نحرص على قوة الترابط بيننا وبين بعضنا البعض، وبيننا وبيْن جميع أفراد المجتمع؛ حتى لا يتمكن الأعداء مِن تفتيت المجتمعات وتخريبها؛ فإن ذلك مِن أعظم أسباب الوقاية مِن الفتن كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإفشاء السلام بيننا.

لذلك نقول: لا بد لنا مِن العلم، ومِن العمل، والعبادة والذكر، كما لا بد لنا مِن الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- في كل مكان نوجد فيه، حتى يعصمنا الله -عز وجل- مِن الفتن.

وأسأل الله أن ينجينا مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يعلي كلمته في مشارق الأرض ومغاربها.

الصفحة السابقة