شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

حوار الحضارات كما ينبغي

الشيخ عبدالمنعم الشحات • السيرة والتاريخ

فأسكت القوم، فقام المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وإنما يكرم الأشرافَ الأشرافُ، ويعظم جقوق الأشرافِ الأشرافُ، وليس كل ما أُرسلوا له جمعوه لك، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، وقد أحسنوا ولا يحسن بمثلهم إلاٌ ذلك فجاوبني، فأكون أنا الذي أبلغك ويشهدون على ذلك.

إنٌك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع. كنا نأكل الخنافس والجعلان، والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضًا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه.

وكان حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفًا نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير أحسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرَنا في الحال التي كان فيها أصدَقَنا وأحلَمنا. فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أول تِربٍ كان له وكان الخليفة من بعده. فقال وقلنا، وصدٌق وكذبٌنا، وزاد ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه.

فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا إن ربٌكم يقول: أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذ لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، وأنا خلقت كل شيء، وإلىٌ يصير كل شيء، وإن رحمتي أدركتكم، فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلٌكم على السبيل التي أنجيكم بها بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري دار السلام، فنشهد عليه أنٌه جاء بالحق من عند الحق. وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن أبى فأعرضوا عليه الجِزية ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخله جنتي، ومن بقى منكم أعقبته على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.

فقال يزدجرد: أتستقبلني بمثل هذا؟ فقالا: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك لم أستقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تُقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، وقال: ائتوني بوِقر من تراب فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن. ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابوره.

وقد نفذ كسرى ما هدد به وأرسل رستم قائده إلى المعركة ولكن بعد أن دب الوهن في قلبه وقلب قائده، فحاول رستم أن يتفادى المعركة بحوار مع الصحابة رضي الله عنهم، وكلما أنهى الحوار مع واحد طلب حواراً مع آخر حتى كان هذا الحوار الشهير مع ربعي -رضي الله عنه-.

ثم بعث سعد -رضي الله عنه- إليه -أي إلى رستم- رسولاً آخر بطلبه وهو رِبعي بن عامر، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآليء الثمينة والزينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتِكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النٌمارق فخرٌق عامتها.

فقالوا له: ما جاء بكم؟

فقال: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى حلقه لندعوهم إليه؛ فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أيداً حتى نفضي إلى موعود الله.

قالوا: وما موعود الله؟

قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقى".

فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟

قال: نعم، كم أحبُ إليكم؟ يومًا أو يومين، قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.

فقال: ما سنٌ لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل. فقال: أسيدهم أنت؟

قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد يُجير أدناهم على أعلاهم.

فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال: هل رأيتم قط أعزٌ وأرجح من كلام هذا الرجل؟!

فقالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب! أما ترى ثيابه؟!

فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الأحساب .

الصفحة السابقة