التقسيم الاصطلاحي للتوحيد..و توحيد الربوبية.(شرح المنة 15)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فذكر -عز وجل- معاني الربوبية ، استدلالاً على توحيد الألوهية فقال : (أءلَهٌ مَعَ اللَّهِ) ، فإذا كان الله وحده الذي يفعل هذا فكيف تعبدون معه آلهة أخرى ؟ فهو وحده لا شريك له الذي خلق السموات والأرض ، وهو وحده الذي أنزل لكم من السماء ماء فأنبت به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها .
فهذا المعنى من معاني الربوبية أساس في عقيدة كل مؤمن ، وأنواع مخالفته والشرك المتعلق به منتشرة بين أهل الشرك ، فمن يعتقد أن مع الله -عز وجل- من يخلق أو يرزق ، أو أن معه من يحيي أو يميت أو يضر أو ينفع أو يعطي أو يمنع ، أو يدبر الأمر فهو مشرك بالله -عز وجل- في ربوبيته .
وهذا النوع من التوحيد مرتبط بالاعتقاد ، فهو توحيد اعتقادي خبري مثله مثل توحيد الأسماء والصفات ، فنعتقد أن لله صفة السمع وأنه السميع البصير وأنه القدير والعليم والعظيم وغير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، وهنا في هذا الباب نعتقد أنه يفعل : يدبر الأمر -سبحانه وتعالى-، يخلق ويرزق يضر وينفع ، فلو اعتقد الإنسان أن مع الله -عز وجل- من يخلق، كالمجوس مثلاً الذين يعتقدون أن هناك خالِقَيْنِ ، خالقاً للخير وخالقاً للشر ، والفراعنة واليونان كان عندهم لكل شيء إله وخالق ، يعبدونه في شيء معين لأنه هو الذي يدبره ، فهذا من مظاهر الشرك الشنيع ، وهكذا الهنود وغيرهم من عباد الأوثان يجعلون خالِقِين متعددين .
ومن مظاهر الشرك في هذا الباب ـ باب توحيد الربوبية ـ اعتقاد أن غير الله -عز وجل- من الأولياء أو الأنبياء أو الملائكة يدبرون الأمر ، وقد يختلط على بعض الناس أمر عظيم وهو أن الله -عز وجل- عندما يأمر الملائكة بأعمال معينة يظن البعض أنهم يدبرون الأمر مع الله -سبحانه وتعالى-، وإنما هم يدبرون ما أمرهم الله -عز وجل- به ، وقوله -عز وجل-: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً) (النازعـات:5) ليس معناها أنهم يفعلون ذلك شركاء مع الله -سبحانه وتعالى- وهذا هو قول المشركين ، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً ـ وإنما اعتقاد المؤمنين هو أن الملائكة المدبرات أمراً بأمر الله -سبحانه وتعالى- وأنه مَلَك للجبال مثلاً ، أو مَلَك للمطر ، أو مَلَك للنبات أو غير ذلك ، فهم ـ أي الملائكة ـ يفعلون ما يؤمرون ، ولا أنهم يدبرون مع الله ، أو أن الله ترك لهم تدبير الكون وفوضه إليهم وليس له شأن به بعد ذلك ، كما يقول عباد القبور مثلاً ويزعمون ـ كذباً وزوراً ـ أن الله قال : « المُلْك مُلْكِي وصرفت فيه البدوي » ، أو يزعمون أن للكون أقطاباً أربعة ، كل منهم يأخذ ربع الكون يدبره ، وبناءً على هذا سألوهم قضاء الحاجات ، وسألوهم جلب النفع ودفع الضر ، وهذا لا يمكن أن يكون مبنياً على غير اعتقاد بل لابد أن يكون عندهم اعتقاد أنهم يملكون شيئاً من النفع والضر ، إما على سبيل الوساطة أو الشفاعة أو أن الله فوض إليهم ذلك ، وكل هذا من الشرك الذي لا ينفع صاحبه معه عمل ، حتى لو لم يذبح ولم ينذر ، لكنه اعتقد أن غير الله -عز وجل- يدبر الأمر دون أن يأذن الله -عز وجل- أو دون أن يأمره الله -عز وجل- .
لذلك لا يصح أن يقال : إن الملائكة ترزقنا أو تخلقنا ، إنما ينقل المَلَكُ ـ بأمر الله -عز وجل- ـ النطفةَ من طور إلى طور ، يُخَلِّقُها أي يفعل ما أمره الله -عز وجل- به في نقل النطفة ، ولا يجوز أبداً أن يقال إن المَلَكَ يخلق الإنسان .
فالله وحده هو الخالق ، وهؤلاء الملائكة عبادٌ لله يفعلون ما يؤمرون ، ولا قوة لهم إلا به -سبحانه وتعالى-.
لذلك اعتقاد انفراد الرب -سبحانه وتعالى- بهذا المعنى من معاني الربوبية ، أي بأنه وحده -عز وجل- الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ، وأنه -عز وجل- يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ، وأنه -عز وجل- الذي يدبر كل ما في هذا الكون ، هذا اعتقاد لابد منه في توحيد الإنسان .
* المعنى الثاني: وهو معنى المِلك، فهو وحده الذي يملك الأشياء، وقد يكون الإنسان مالكاً لأشياء ولا يكون مَلِكًا، أما المَلِكُ فهو الذي له الأمر والنهي والسيادة وهو المعنى الثالث.
فبعض الملوك لهم الأمر والنهي على الناس ولهم تعظيم ، وفي نفس الوقت لا يملكون الناس لأن الناس أحرار ، إنما هؤلاء الملوك لهم السلطة في فعل ما يرونه وتنفيذه ، وبعض الناس قد يكون له مِلك ولا يكون مَلِكًا ، فهو يملك الدار والدابة وليس له الأمر والنهي على الناس ، فمن معاني الربوبية أن الله -عز وجل- متفرد بالمِلك والمُلك التام وحده لا شريك له ، كما قال -سبحانه-: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:88)، ملكوت : يعني مُلك ، صيغة مبالغة على وزن فعلوت ، مصدر من الفعل « مَلَكَ » مثل جبروت ، وقوله -تعالى-: (وَهُوَ يُجِيرُ) : أي يحمي من أراد ممن أراد ، ولا يُجار عليه : فإذا أراد أن يُهْلِكَ عبداً أو ينتقم منه أو يُعَذبه لم يُجِرْ عليه أحد ، أي لم يحفظ هذا العبد أحدٌ من الله ، فالملوك بعضهم قد يُجير على بعض ، بمعنى أنه إذا أراد أحدهم الانتقام من عدوه ، فيذهب هذا العدو إلى ملك آخر أو قوي آخر ، ليجيره فيقول له : قد أجرتُكَ ، أي حميتُكَ ، فلا يستطيع الأول أن يُصيبَه بِشَرٍّ ، فيقال إن الآخر قد أجار على الأول، أي حماه من أذى من يريد أن يؤذيه أو يضره أو ينتقم منه.
فلا يستطيع أحدٌ أن يحمي أحداً من عذاب الله -سبحانه وتعالى-، كما قال -عز وجل-: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ) (الرعد: من الآية11) ، وهذا معنى : « لا يُجار عليه » ، وقال -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1)، سبحانه و-تعالى-.
