شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

محمد -صلى الله عليه وسلم- "الرحمة المهداة"

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

فانتفع به -صلى الله عليه وسلم- كل العالمين مِن الجن والإنس وغيرهم "حتى الملائكة!"؛ إذ أمر -صلى الله عليه وسلم- بحفظ حقوقهم مِن عدم إيذائهم بالروائح الخبيثة "ولو بثوم أو بصل"، ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن البصق عن اليمين لمقام الملـَك فقال: ( إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا ) (متفق عليه) .

بل وانتفعت به حتى الحيوانات والدواب التي نهى عن تعذيبها وإيذائها، وأمر بالإحسان حتى عند ذبحها أو قتلها، بل حتى النبات والجماد؛ إذ أمر -صلى الله عليه وسلم- بالرفق في كل شيء.

- وإذا قال قائل: كيف انتفع الكفار بمجيء النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان رحمة لهم، وهم إذا كفروا به قامت عليهم الحجة الرسالية، واستوجبوا الخلود في الجحيم والعذاب المقيم؟!

فالجواب: ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- فقال: "أَصَح الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله -تَعَالَى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، أَنه على عُمُومه، وَفِيه على هَذَا التَّقْدِير وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن عُمُوم الْعَالمين حصل لَهُم النَّفْع برسالته؛ أما أَتْبَاعه: فنالوا بِهِ كَرَامَة الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَأما أعداؤه: فالمحاربون لَهُ عجّلَ قَتلهمْ، وموتهم خير لَهُم من حياتهم؛ لأَن حياتهم زِيَادَة لَهُم فِي تَغْلِيظ الْعَذَاب عَلَيْهِم فِي الدَّار الآخِرَة، وهم قد كتب عَلَيْهِم الشَّقَاء فتعجيل مَوْتهمْ خير لَهُم مِن طول أعمارهم فِي الْكفْر، وَأما المعاهدون لَهُ فعاشوا فِي الدُّنْيَا تَحت ظله وَعَهده وذمته وهم أقل شرًّا بذلك الْعَهْد من الْمُحَاربين لَهُ. وَأما المُنَافِقُونَ: فَحصل لَهُم بِإِظْهَار الإِيمَان بِهِ حقن دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وأهلهم واحترامها، وجريان أَحْكَام الْمُسلمين عَلَيْهِم فِي التَّوَارُث وَغَيره، وَأما الأُمَم النائية عَنهُ فَإِن الله -سُبْحَانَهُ- رفع برسالته الْعَذَاب الْعَام عَن أهل الأَرْض؛ فَأصَاب كل الْعَالمين النَّفْع برسالته.

الْوَجْه الثَّانِي: أَنه رَحْمَة لكل أحد، لَكِن الْمُؤْمِنُونَ قَبِلوا هَذِه الرَّحْمَة فانتفعوا بهَا دنيا وَأُخْرَى، وَالْكفَّار ردوهَا فَلم يخرج بذلك عَن أَن يكون رَحْمَة لَهُم، لَكِن لم يقبلوها، كَمَا يُقَال: هَذَا دَوَاء لهَذَا الْمَرَض؛ فَإِذا لم يَسْتَعْمِلهُ الْمَرِيض لم يخرج عَن أَن يكون دَوَاء لذَلِك الْمَرَض" (جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام) .

فما أحوجنا وأحوج الناس مِن حولنا مِن الكفار والعاصين أن يروا فينا أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الرفق والرحمة والرأفة، فإن هذا مِن أعظم ما ندافع به عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ أن نبرز أخلاقه وسيرته بالتطبيق العملي، فإذا علم الناس أن ما نحن علينا هو ما جاءنا به محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ عرفوا قدره، وأذعنوا لنبله وكريم خصاله وأخلاقه -صلى الله عليه وسلم-.

فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا باتباع سنة النبي العدنان، محمد -صلى الله عليه وسلم- الرحمة المهداة لكل الأنام.

الصفحة السابقة