شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أحداث من التاريخ والأزمات الراهنة

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلابد أن نعلم جميعًا أن الإخلاص وحده لا يكفي، وكذلك الحماس وحده لا يكفي، بل لابد أن يكونا منضبطين بضوابط الشرع؛ لأننا نرى الآن في ظل الأحداث والمتغيرات أن البعض قد جهل القواعد والضوابط الشرعية، ومِن ثَمَّ أخطأ في تقديراته وتحليلاته وتوصيفه للواقع الذي نحياه.

ولا مستقبل لأمة تجهل تاريخها وماضيها، فلابد من مراجعة التاريخ الإسلامي لنتعلم منه كيف نتعامل مع الأحداث الراهنة؟ وأنا أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض أحداث التاريخ لعلها تزيل الالتباس الذي استشرى وسط بعض الكيانات وعند بعض الأفراد.

أولاً: تأملوا موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يوم الحديبية وقد اعترض كثير من الصحابة -رضي الله عنهم- على بنود الصلح، وعلى رأسهم: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولما ذهب عمر إلى أبي بكر -رضي الله عنهما- وشكا إليه، قال له الصديق -رضي الله عنه-: " أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ" (رواه البخاري) . فلم يتعامل الصديق بالعاطفة والحماس مع أنه أرق قلبًا منهم.

وكذلك في قتاله لمانعي الزكاة يوم أن قال له عمر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ )، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ" (متفق عليه) . فلم يتعامل معهم الصديق -رضي الله عنه- بالعاطفة؛ لأنه يعلم خطورة الأمر.

وهكذا لابد أن نتجرد من العواطف والحماس الذي يؤدي أحيانًا إلى الدمار الشامل، كالطبيب الذي يريد بتر ساق المريض للحفاظ على حياته؛ فلو أخذته العاطفة لضحى بحياة المريض كلها.

ثانيًا: بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- تولى الخلافة علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-، واختلف الصحابة -رضي الله عنهم- في مسألة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، فلقد طلب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- ومعه بعض الصحابة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، وهنا اعتذر إليهم علي -رضي الله عنه- كما يقول ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية": "فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ عَلِي بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا".

وهنا لابد من وقفة مع مسألة الدم: ففي مثل هذه الأمور يصعب أولاً تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيق واسع للتعرف على الجناة؛ لاسيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص، ولكن هذا هو الحماس المذموم الذي أدى بعد ذلك إلى وقوع القتال بين الفريقين في موقعتي: "الجمل" و"صفين"، وكانت النتيجة مقتل عشرات الآلاف من المسلمين، بل ومن الصحابة الأفاضل -رضي الله عنهم أجمعين-، وكان الأصوب في هذا الأمر هو ما رآه علي -رضي الله عنه-، فإن النصوص قد نصت على أن الفئة الباغية هي مَن قاتلت عليًّا -رضي الله عنه-.

ثالثًا: في عهد يزيد بن معاوية قُتل الحسين -رضي الله عنه- ومعه سبعون من أل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يخرج الصحابة على يزيد بسبب مقتل الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه، بل ولم يُحمِّل العلماء يزيدَ مقتل الحسين؛ لأنه لم يأمر بقتله، ولم يرضَ بذلك، وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" أن يزيد قال: "لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ -يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ-، وَقَالَ للرسل الذين جاؤوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا، وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عَظِيمَةٍ".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وجرت في إمارة يزيد بن معاوية أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قٌتل -رضي الله عنه- في إمارة يزيد بن معاوية، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين -رضي الله عنه-، ولا أظهر الفرح بقتله... ".

ثم كانت وقعة "الحَرة"، والتزم الكثيرون من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلماء المدينة ببيعتهم ليزيد بن معاوية خشية الفتنة واقتتال المسلمين فيما بينهم، واعترض بعض علماء المدينة على خلع يزيد بن معاوية والخروج عليه، ولم يؤيدوا مَن قام بالخروج، وقاموا بنصح إخوانهم واعتزلوا الفتنة، وكان أغلب هذا الرأي من أهل العلم والفقه في الدين، وفي مقدمة هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقد اشتُهِر عنه إنكاره على الذين رفضوا البيعة ليزيد وسعوا في خلعه.

فقد عارض ابن عمر -رضي الله عنهما- مَن خرج من أهل المدينة لسببين:

الأول: نقضهم البيعة، وهو يرى أنهم أعطوا البيعة عن رضا واختيار، ولم يفعلوا مثل الحسين -رضي الله عنه- حيث كان موقفه واضحًا منذ البداية، ولم يُعطِ البيعة.

الصفحة التالية