شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المعادلة الصفرية والدائرة المفرغة!

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد

لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فرغم

أن الصراع بيْن الأمم والطوائف وأهل الملل قد شَهِد عبْر الزمان معاركَ فاصلة كان

النصر فيها حليفًا لأحد الطرفين بطريقة حاسمة؛ إلا أن سنن الله الكونية "لمن

تأملها" دلَّت على أن هذه المعارك لا تمحي الطرف المغلوب مِن الوجود بالكلية؛

فها هي الفتوحات الإسلامية التي قضت على وجود اليهود في الجزيرة العربية -بل في

منطقة الشرق الأوسط كلها-، وعلى الرغم مِن ذلك فإن اليهود بقوا، وسيبقون إلى زمن

الدجال ونزول المسيح -عليه السلام-.

وكذا قضت الفتوحات على دولة الفرس والروم، ومع ذلك بقي الفرس إلى يومنا هذا

يحاولون زعزعة الوجود العربي والإسلامي، وإن كان تحت رايات أخرى "كالرافضة"،

وبقي النصارى وسيبقون إلى زمن المسيح -عليه السلام- حين ينزل، كما

أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،

لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

حَكَمًا مُقْسِطًا؛ فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ،

وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ) (متفق عليه) .

وهذا يدل على أن الصليب سيظل موجودًا إلى زمن نزول المسيح -عليه السلام-.

وكذا

قضى التتار على دولة الخلافة العباسية ودمَّروا بغداد وقتلوا نحو مليوني مسلم،

ودخل الصليبيون القدس وقتلوا كل مَن بها مِن الرجال والنساء والأطفال من المسلمين،

ثم عادت إلى المسلمين.

وأباد

الفرنجة المسلمين في الأندلس في أبشع مذابح في التاريخ بمحاكم التفتيش، ومع كل ذلك

بقي الإسلام، بل في نفس التاريخ الذي سقطت فيه الأندلس كان المسلمون يفتتحون مدينة

قسطنطينية لتصبح إسطنبول عاصمة للدولة العثمانية.

فمن عرف التاريخ؛ عرف أن الوصول إلى المعادلة الصفرية: "إما تقضي

عليَّ بالكلية، وإما أن أقضي عليك بالكلية" لا يكاد يقع في العالم إلا قُبيل

قيام الساعة في زمن المسيح -عليه السلام- كما بيَّنَّا، حين تصبح الملة واحدة هي

الإسلام دون ما سواه.

وإذا

كان هذا رغم التناقض التام، والاختلاف في الدين والجنس واللغة والعرق، فبالأَوْلى

إذا كان التناقض حول بعض الأمور دون بعض، وداخل أمة واحدة ووطن واحد، وإنما تختلف

المصالح أحيانًا وتتفق، وتقترب الخطوط وتبتعد؛ ولذا نجد أن ما تشهده بلاد المنطقة

كلها -ومِن ضمنها بلادنا- مِن صراع وانقسام واحتراب يتصور الأطراف فيه أنه لا بقاء

لهم إلا بالقضاء على الطرف الآخر المنافس، وأنه لا إمكانية للتعايش مع الاختلاف،

ويذكي روح الاقتتال مهما كلـَّف ذلك الأمة والوطن والدين مِن خسائر - إنما هو

دائرة مفرغة؛ لن تنتهي بهذا التصور ولا بهذا السلوك.

والمراهنة على قلوب الناس وعواطفهم أمر لا يجدي؛ فالناس تتقلب قلوبها

ونظراتها في اليوم فضلاً عن الشهر والسنة، ووسائل التأثير التي يظنها البعض سلاحًا

ماحقًا مثل الإعلام والمال "بل والقوة العسكرية" لا تمحق،

بل في حالة الصراع الداخلي والحروب الأهلية إنما يمحق كل طرف جزءًا مِن نفسه وجزءًا

مِن خصمه، والجزء الأكبر مِن شعبه وأمته ومستقبل وطنه، وكلما نزف الدم وكثر القتل؛

جذب مزيدًا مِن النزف والقتل، مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أشراط

الساعة: ( وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ) قَالُوا: وَمَا

الْهَرْجُ؟ قَالَ: ( الْقَتْلُ ) (متفق عليه) .

فأخرجوا بلادنا وأمتنا مِن هذه الدائرة المفرغة...

وأيقِنوا أن هذه الأمور لا تحتمل "المعادلة الصفرية الوهمية"، بل

لا بد مِن التكاتف والتعاضد والتعاون، والتعايش مع المخالف، واقتسام الحياة بدلاً

مِن قهر الآخرين.