شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فتوى د."عبد المقصود" والفرق بيْن عامي: "1954- و2013م"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

مع أنهم فيما يتعلق بوضع الدكتور "مرسي" اضطروا بعد فوات الأوان أن يعترفوا بأن الاعتراضات عليه كانت قوية وشعبية، ولكنها كانت تطالِب بانتخاباتٍ رئاسية مبكرة بينما قام الجيش بعزله.

4- مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- في إعادة الصلاة ليس على إطلاقه، وقد بيَّنه شيخ الإسلام في موطن آخر في مجموع الفتاوى "ج23 ص344" حيث قال: "وَحِينَئِذٍ فَإِذَا صَلَّى خَلْفَ الْفَاجِرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ يُعِيدُ؛ لأَنَّهُ فَعَلَ مَا لا يُشْرَعُ بِحَيْثُ تَرَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الإِنْكَارِ بِصَلاتِهِ خَلْفَ هَذَا، فَكَانَتْ صَلاتُهُ خَلْفَهُ مَنْهِيًّا عَنْهَا فَيُعِيدُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لا يُعِيدُ. قَالَ: لأَنَّ الصَّلاةَ فِي نَفْسِهَا صَحِيحَةٌ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَرْكِ الإِنْكَارِ هُوَ أَمْرٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ الصَّلاةِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْبَيْعَ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّلاةُ إلا خَلْفَهُ كَالْجُمُعَةِ فَهُنَا لا تُعَادُ الصَّلاةُ وَإِعَادَتُهَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ لا تَصِحُّ أُعِيدَتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ وَإِلا لَمْ تُعَدْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ النِّزَاعُ فِي الإِعَادَةِ حَيْثُ يُنْهَى الرَّجُلُ عَنْ الصَّلاةِ. فَأَمَّا إذَا أُمِرَ بِالصَّلاةِ خَلْفَهُ فَالصَّحِيحُ هُنَا أَنَّهُ لا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلاةِ مَرَّتَيْنِ".

فالإعادة هنا فرع على قاعدة: "أثر النهي في المنهي عنه" عند الحنابلة ولهم فيها تفصيلات، ومِن ثَمَّ كان للإمام أحمد في المسألة روايتان، ويجب تقديم الراوية الموافقة للجمهور ولفعل الصحابة على غيرها، والأهم أن الإعادة عندما لا يوجد إلا هذا هي مِن باب البدع التي لم يقل بها أحمد، ولا غيره.

ومِن الواضح أن سؤال السائل أنه كان يقول أينما يولي لا يجد إلا أئمة الأوقاف وأئمة الدعوة السلفية -حفظها الله وأعانها على أن تبقى تُقِيم ما تقدر عليه مِن شعائر الله-.

5- مرة أخرى أرجو أن يتأمل "الشيخ" عبد المقصود، ومَن حذا حذوه في هذه العبارة مِن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَمَنْ أَنْكَرَ مَذْهَبَ الرَّوَافِضِ وَهُوَ لا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ، بَلْ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَذْهَبِ الرَّوَافِضِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُمْ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَتَكْفِيرَ الْجُمْهُورِ".

الوقفة السادسة:

نصح "الشيخ" عبد المقصود السائل بأن يبحث قليلاً وسوف يجد إمامًا يصلي خلفه!

وهذا لا يخلو مِن أمرين:

الأول: أن هذا الإمام يجهر بما يَراه "عبد المقصود" حقـًّا، وبما يرى أن السكوت عنه خيانة، وهذه قد تكون شهادة في حق النظام -تحسب له-؛ لا أظن "عبد المقصود" يمكن أن يَرضى ولو بشطرها!

الثاني: أن هذا سيكون وبنفس أسلوب تنزيل ( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) على الوضع الحالي في مصر فسيكون هذا الإمام "مؤمنًا يكتم إيمانه!"، ويدَّعي الانتساب إلى هؤلاء الذين يراهم "الشيخ" عبد المقصود منافقين، ومعنى هذا: أن الشيخ "عبد المقصود" ينصح السائل أن "يفتش" عن نيات الأئمة، وسوف يجد فيهم مَن يصلح للصلاة خلفه، ولا أريد أن "أتوقع" ما وراء ذلك، فالتاريخ قد أغنانا عن التوقع، ففيه عبرة لمن أراد أن يعتبر.

الوقفة السابعة:

سؤال: فتوى عدم صلاة القيام، وصلاة الفريضة مع الإعادة خلف مَن يؤيد ما يسميه "بالانقلاب" في مصر: هل تنطبق على الحَرَم أم لا؟! "مجرد سؤال؛ لنعرف المدى الجيوسياسي للفتوى".

الخاتمة:

اصطدم الإخوان مع "عبد الناصر" في 54 بعد ما أيدوه عامين كاملين في كل تصرفاته، بما في ذلك إعدام عمال كفر الدوار، وحل جميع الأحزاب، ثم اصطدموا معه مع أن رأي أحد كبار مؤرخيهم "محمود عبد الحليم" أن تفادي الصدام كان ممكنًا جدًّا؛ لولا تعنت "عبد القادر عودة" -رحمه الله-، ثم دخلت البلاد في دوامة، وصارت الحرب بيْن الدولة والإخوان في حين فضَّلت حينئذٍ الجماعات الإسلامية الأخرى -والتي كان بعضها أسبق وجودًا مِن الإخوان؛ إلا أنهم كانوا قد تركوا دفة الأمور للإخوان- الانزواء، وخلا الجو للمناهج الغربية فعششت في عقول الشباب حتى مَنَّ الله على مصر بنبتة مِن الشباب قرأوا ما وصل لأيديهم مِن كتبٍ لعلماء السلف والسلفية: كابن تيمية، وابن القيم، والألباني، وابن باز -رحمهم الله- وغيرهم؛ فبدأوا دعوات تحذر أكثر ما تحذر مِن التغريب والعلمنة في اتجاه، ومِن الانجراف إلى تيار التكفير والعنف في اتجاه آخر، فعملت الدعوة في سلمية وعلنية، وبذرت بذورها التي بارك الله فيها.

وكان مِن نتاج هذا أن خرج الإخوان مِن السجون بعد حوالي عشرين سنة، وتصدَّر المشهد عندهم مَن يُعلِن رفض التكفير والعنف، ونادوا شبابَ الحركة الإسلامية الجامعية آنذاك -والتي كانت تُسمَّى حينها بالجماعة الإسلامية- أن يمزجوا حماس الشباب بخبرة شيوخ الإخوان؛ فأجاب فريق منهم، وامتنع فريق "خشية أن تعود الإخوان إلى سابق أخطائها".

ودار الزمان دورته وعادت الجماعة ومعها حلفاء آخرين لذات الأخطاء! وبقيت "الدعوة السلفية" لم تذهب معهم، ولم تنزوِ؛ فأبقت مَن يقوم بما يقدر عليه مِن شئون الدعوة، ومنها: صلاة القيام في رمضان أحد أهم مواسم الطاعات، ولكن البعض مغرم بتكرار ذات الأخطاء المنهجية والسياسية، ومغرم في ذات الوقت بمحاربة مَن يمنعه مِن غيه!

ولا يسعنا إلا أن ندعو كل عقل ليوازن بيْن تجربة الصدام بيْن الإخوان والدولة في 54 و2013م؛ ليدرك أثر اتباع الشرع في ضبط الأمور، وتغليب العقل على العاطفة.

نسأل الله أن يرينا الحق حقـًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وألا يجعله ملتبسًا علينا فنضل. اللهم آمين.

الصفحة السابقة