العلمانية والعناد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
"هل يمكن للأصوليين إقامة حكم ديمقراطي؟ وهل من الديمقراطية السماح لمعتنقي الفكر الديني المشاركة السياسية في الدولة المدنية الليبرالية؟ والإجابة -بكل بساطة-: كلا؛ للعديد من الأسباب:
أولها: أن الديمقراطية تقتضي مبادئ لا بد من توافرها حتى يمكن وصف أي نظام بأنه ديمقراطي مثل سيادة الأمة المضاد لمفهوم الحاكمية، والفصل بين السلطات، وهو مبدأ لا يقره نظام الخلافة الراشدة الذي يمثل الصورة المثالية للنظام الإسلامي، ومبدأ المواطنة الذي لا يتفق مع الفكرة الدينية الإسلامية القاضية التمييز بين المسلم وغير المسلم. والمساواة وهو -أيضًا- مبدأ لا يسمح به الدين، وحقوق الإنسان التي يتعارض بعضها مع مبادئ الدين مثل حق حرية العقيدة؛ لأن عقاب المرتد الرافض لدينه الإسلامي هو القتل. وفي الديمقراطية لا توجد قداسة لأحد، ولا يمكن ذلك في الأصولية التي تقدس الأنبياء والرسل والصحابة وزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل وحتى التاريخ "الإسلامي". وفي الديمقراطية لا يوجد مكان للفتوى أو وزارة للشئون الدينية. وفي الدولة الأصولية لا مكان للمبدعين من أمثال د. نصر حامد أبو زيد، أو سيد القمني أو الفنانين، أو المسرح أو السينما، أو حتى صحافة حرة.
وإذا تخيلنا نجاح زعيم ديني سواء من الإخوان المسلمين أو من الجماعة السلفية، ماذا سيحدث؟ ليس من مجال اختيار أمامه سوى إعلان الدولة الدينية؛ لأنها النوع الوحيد من الدول الذي يفرضه الدين، وهذه الدول -في نهاية المطاف- لن تختلف عن دولة طالبان الأفغانية؛ وإلا سيتبين للذين قاموا بانتخاب هذا الزعيم الديني كذب دعواه بالتدين، وإلا لماذا انتخبوه؟! ومن ثم لا بديل عن الاستبداد، حيث أن كلمة "ولي الأمر" هي الفاصلة وعليكم الحساب، ماذا سيفعل بأصحاب الفكر الحر ومؤلفاتهم؟
يقول البعض: إن من الديمقراطية السماح للأحزاب أو الجماعات الدينية خوض الانتخابات، ثم يعود الأمر للناس في اختيار من يريدونه لرئاستهم أو لتمثيلهم في البرلمان، وهذا مناقض للمنطق ذاته، ذلك أنه حين نقول "من الديمقراطية" فهذا يقتضي -أولاً وبشكل أساسي-: عدم العمل على هدم الديمقراطية والسماح لإقامة دولة دينية على أنقاضها. ومما يتفق عليه العقلاء أنه لا يجوز هدم الديمقراطية بأدوات "ديمقراطية". وحق ملكية أي إنسان لسيادته لا تعطيه حق تدميرها بأن يتجاوز أنظمة المرور في الشارع مثلاً أو حتى إحراقها. إذن كيف نناقض المنطق بالسماح "ديمقراطيًّا" لمن يدعوا إلى إقامة دولة غير ديمقراطية؟
من جانب آخر لا يمكن للفكر الأصولي إلا أن يكون مستبدًا، ذلك أن الحرية ليست من المبادئ التي يقوم عليها الفكر الديني، وكذلك حقوق الإنسان الكائن المتفرد بذاته. الإنسان في الفكر الديني "عبد" خاضع لهذا الفكر، عليه أن يطيعه جبرًا، والحاكم المتبني لأي فكر ديني ملزم ومجبر على تنفيذ أوامر هذا الدين. فالشيخ محمد الغزالي –رحمه الله- برغم كل وسطيته لم يملك سوى أن يعفي قاتل المرحوم د. فرج فودة، من مسئولية القتل؛ لأن المرحوم فودة "مرتد" وكل جريمة القاتل أنه افتئت على سلطة الدولة التي عليه ا-وفقًا لهذا المنطق الأعوج- أن تقوم بواجبها بقتل هذا المرتد. فقط لنتخيل هذا الأمر مع زعيم ديني لجماعة دينية لها تاريخ طويل في الاغتيالات والإرهاب؟ هل من المعقول والمنطقي أن نفترض أنه سيكون ديمقراطيًّا مع خصومه الليبراليين أو العلمانيين؟
الأصولية قرينة الاستبداد، وأي رأي يرى غير هذا؛ رأي معوج لا يفقه شيئًا في الديمقراطية، بل إنه يسعى لسيادة الاستبداد بدلاً من الحرية في المجتمع.
د. أحمد البغدادي ".
