شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المودة والذنوب!

عصام حسنين • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أجلِّ القُربات التي يتقرب بها العبد لربه -سبحانه وتعالى- والتي يَنال بها محبته -عز وجل- ونصره، وتأييده: "التحاب في الله -تعالى-، والأخوة في دينه"، قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: ( أحَبُّ الأعْمالِ إِلَى الله: الحُبُّ فِي الله، والبُغْضُ فِي الله ) (رواه الإمام أحمد في مسنده، وحسنه الأرنؤوط ) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: ( قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ) (رواه مالك في الموطأ وأحمد والحاكم، وصححه الألباني) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ, وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ, وَالْحُبُّ فِي اللهِ, وَالْبُغْضُ فِي اللهِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

والحب في الله: أي مِن أجل الله؛ لقيامه بطاعة الله -تعالى-. أو في ذات الله: أي في دينه وشرعه، لا لعرض مِن الدنيا.

وهذا يشمل كل مؤمن طائع لله.

قال ابن عثيمين- رحمه الله-: "ولله -تعالى- أولياء يتولون أمره ويقيمون دينه، وهو يتولاهم بالمعونة والتسديد، والحفظ والتوفيق، والميزان فيها قوله -تعالى-: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) (يونس:62-63) . قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "مَن كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا" (اهـ مِن القول المفيد) .

ومَن كان بهذا الوصف فيجب موالاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمَن كان قائمًا بواجب الإيمان كان أخًا لكل مؤمن، ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه، وإن لم يجْرِ بينهما عقد خاص، فإن الله ورسوله قد عقد الأخوة بينهما بقوله: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، ومَن لم يكن خارجًا عن حقوق الإيمان وجب أن يُعامَل بموجب ذلك؛ فيحمد على حسناته ويوالَى عليها، وينهى عن سيئاته ويجانب عليها بحسب الإمكان" (اهـ بتصرف مِن الفتاوى35/94) .

- ولهذه المحبة ثمرات عظيمة، منها: محبة الله -تعالى- للمتحابين التي هي الشأن الأكبر والغاية العظمى التي يسعى لنيلها المحبون، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ، عَلَى مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ ) (رواه مسلم) .

- وإذا أحب الله -تعالى- عبدًا أحبه أهل السماوات، وجعل له القبول في الأرض، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) (مريم:96) . أي محبة في قلوب الناس.

- وبهذه المحبة أيضًا يجد العبد حلاوة الإيمان القلبية التي هي انشراحه وراحته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ) (رواه البخاري ومسلم) . واللام في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لِلَّهِ ) للتعليل؛ أي مِن أجل الله؛ لأنه قائم بطاعة الله.

و( الْمَرْءَ ) تشمل الرجل والمرأة، وعليه، فما أعظمه حبًّا حب الزوج لزوجته لطاعتها لله -تعالى-، حبًّا ينال به حلاوة الإيمان، وكذلك حب الزوجة لزوجها!

- وبهذه المحبة الخالصة لله -تعالى- ينال العبد أيضًا ثناءً عظيمًا مِن الله -تعالى-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .

- وبها أيضًا تُنال المنازل العالية يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -تعالى: ( قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: المُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- كما أنها مِن أسباب النجاة يوم القيامة: ففي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -أي ظل عرشه- ذكر -صلى الله عليه وسلم- مِن هؤلاء السبعة: ( وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ) (متفق عليه) .

- وبها أيضًا يَنال العبد المنازل العالية لإخوانه التي لا يبلغها عمله: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمَلِهِمْ؟ قَالَ: ( أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ! مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ). قُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، يَا أَبَا ذَرٍّ! ) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية