شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لا تجادلوا أهل الجدال

زين العابدين كامل • التزكية

والمعنى: أنا ضامن أن يدخل الجنة بتركه المراء وإن كان محقًّا، والمراء: الجدل؛ لأن الجدل يفسد العلاقات بين الناس، حتى لو أنت على صواب إذا فتحت باب الجدل مع إنسان لا تصل معه في النهاية إلى شيء، وخاصة إذا كان مخاصمًا عنيدًا.

فالأفضل للإنسان أن يغلق باب الجدل إلا أن يحتاج للرد على كافر أو صاحب بدعة، ولكن لا تبقى هذه عادة الإنسان في كل وقت، ولكن إن احتاج إلى ذلك فعل، ولا يرضى أن تكون كثرة الجدل طبيعة في نفسه أبدًا، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ).

فالحوار والجدال بالحسنى أمر مرغوب إذا صحت النوايا وصلحت القلوب، قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم"، وقال الشافعي -رحمه الله-: "ما ناظرتُ أحدًا إلا وددتُ أن يظهر الله الحق على لسانه".

ومِن الضوابط في الحوار أنه: "يسعنا الخلاف في مسائل الاجتهاد"؛ فلابد أن نعلم جميعًا أن ما جاءنا محكمًا لا مجال فيه للرأي، وأما مسائل الاجتهاد فيسعنا فيها الخلاف، لكن التعصب للرأي والانفعال أثناء الحوار سيؤدي إلى الفرقة والنزاع، ولن يؤدي أبدًا إلى الهدف المرجو والمنشود، وقد قال الشافعي -رحمه الله-: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، فلابد أن يدور الحوار في هذا الإطار بهذه الثقافة.

ومِن أصول الحوار وآدابه -كذلك-: الحلم والرفق، والحفاظ على رابطة الأخوة في مسائل الخلاف السائغ، ولا نسارع في تمزيق هذه الرابطة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولو أنه كلما اختلف مسلمان تهاجرا لم يبقَ بين المسلمين عصمة ولا أخوة!".

وخذ هذه القاعدة الذهبية من علمائنا الأفاضل: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا؟!".

هذه "القاعدة الذهبية" قالها الإمام الشافعي -رحمه الله- ليونس بن عبد الأعلى، وقالها الإمام أحمد لعلي بن المديني عندما اختلفا في مسألة وارتفعت أصواتهما، وعندما انتهيا؛ قام الإمام أحمد وقال للإمام علي بن المديني: "ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا في مسالة؟!".

فالغرض المقصود بعد هذا التفصيل أن هناك نوعًا من الناس يريد الحوار من أجل الوصول للحق، فهذا النوع لابد من التواصل معه، وذلك من باب حرص الأخ على أخيه، ومن باب النصح أيضًا.

وهناك نوع آخر يريد الحوار ليصل به إلى درجة الجدال المذموم، ثم العصبية المذهبية، واتباع الهوى والعواطف والمشاعر، وليس عنده أدنى احتمال ليغير مِن موقفه أو أن يرجع عن فكره! ولو أنك أتيته بكل دليل يرده بالباطل وبلا أدنى قواعد علمية أو معادلات منطقية! فهذا النوع هم أهل الجدال الذين لابد أن نتجنب الجدال معهم.

والله المستعان.

الصفحة السابقة