شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"السيسي" ومسئولية الدماء... وماذا لو تحول؟ وهل تضمنونه؟!

زين العابدين كامل • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثير من الناس بصفة عامة -ومن أبناء التيار الإسلامي بصفة خاصة- يتحفظ على ترشيح المشير "السيسي" لرئاسة الجمهورية؛ بسبب الدماء التي سالت في ميداني: "رابعة، والنهضة".

وأنا أقول: إنه بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- تولَّى الخلافة علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-، واختلف الصحابة -رضي الله عنهم- في مسألة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-؛ فلقد طلب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- ومعه بعض الصحابة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، وهنا اعتذر إليهم علي -رضي الله عنه- كما قال ابن كثير -رحمه الله-: "فاعتذر إليهم علي -رضي الله عنه- بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا" (البداية والنهاية) .

وهنا لابد مِن وقفة مع مسألة الدم: ففي مثل هذه الأمور يصعب أولاً تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيق واسع للتعرف على الجناة؛ لاسيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص لو ثبتت شروطه، ولكن هذا هو الحماس المذموم الذي أدى بعد ذلك إلى وقوع القتال بين الفريقين في موقعتي: "الجمل" و"صفين"، وكانت النتيجة مقتل عشرات الآلاف من المسلمين، بل ومِن الصحابة الأفاضل -رضي الله عنهم أجمعين-.

وكان الأصوب في هذا الأمر هو ما رآه علي -رضي الله عنه-؛ فإن النصوص قد نصَّت على أن الفئة الباغية هي مَن قاتلت عليًّا -رضي الله عنه-.

فيا ترى... هل هناك مِن بينات تدل على القاتل الذي باشر القتل في ميدان "رابعة "؟!

وهل هناك مِن بينات تدل على الذي أمر بالقتل؟!

ومَن الذي يستطيع أن يجسِّد لنا حقيقة ما حدث في ميدان "رابعة"... ؟!

وفي عهد يزيد بن معاوية قُتِل الحسين -رضي الله عنه- ومعه سبعون من أل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يخرج الصحابة على يزيد بسبب مقتل الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه، بل ولم يُحمِّل العلماء يزيدَ مقتل الحسين؛ لأنه لم يأمر بقتله، ولم يرضَ بذلك.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- أن يزيد قال: "لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ -يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ-، وَقَالَ للرسل الذين جاؤوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا، وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عَظِيمَةٍ" (البداية والنهاية) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وجرت في إمارته -يزيد بن معاوية- أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قٌتل -رضي الله عنه- في إمارة يزيد بن معاوية، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين -رضي الله عنه-، ولا أظهر الفرح بقتله... " (مجموع الفتاوى) .

ثم كانت وقعة "الحَرة"، والتزم الكثيرون من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلماء المدينة ببيعتهم ليزيد بن معاوية خشية الفتنة واقتتال المسلمين فيما بينهم، واعترض بعض علماء المدينة على خلع يزيد بن معاوية والخروج عليه، ولم يؤيدوا مَن قام بالخروج، وقاموا بنصح إخوانهم واعتزلوا الفتنة، وكان أغلب هذا الرأي من أهل العلم والفقه في الدين، وفي مقدمة هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقد اشتُهِر عنه إنكاره على الذين رفضوا البيعة ليزيد وسعوا في خلعه، وقد انتهتْ موقعة "الحَرة" بهزيمة أهل المدينة هزيمة ساحقة قُتِل فيها خلق كثير!

ثم تأمل مقتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وقد كان أميرًا للمؤمنين، ودخلت في طاعته ومبايعته: "الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام -معقل الأمويين-"، ولم يبقَ سوى الأردن في عهد عبد الملك بن مروان، وقد قتله الحجاج؛ فماذا كان موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؟!

عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أَتَى رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، فَقَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) (الأنفال:39) ، فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ!" (رواه البخاري) .

وعن أبي نوفل قال: "رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ، صَوَّامًا، قَوَّامًا، وَصُولاً لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لأُمَّةٌ خَيْرٌ" (رواه مسلم) .

بل كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يصلي خلف الحجاج، بل وحج معه، وبايع عبد الملك بن مروان، ولم يخرج أو يأمر بالخروج عليه؛ مع أن الحجاج قتل عبد الله بن الزبير وقذف الكعبة بالمنجنيق، وقتل عشرة آلاف من العامة في يوم واحد، لكن ابن عمر كان يكره اللجوء إلى العنف والاقتتال؛ لما في ذلك مِن مزيدٍ من سفك الدماء، وإضعاف وحدة الجماعة المسلمة؛ فالعلة ليست في ثبوت "الولاية الشرعية" للحاكم السابق مِن عدمها، ولكن العلة هي سفك الدماء، وأما مسألة "الولاية الشرعية والإمامة"؛ فهي إنما تثبت بإقامة الدين، وسياسية الدنيا بالدين.

الصفحة التالية