شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما أن تقترب الانتخابات البرلمانية إلا وتنشط الآلة الإعلامية بدوائرها وأذرعها المختلفة في شن الحملة الشرسة على "حزب النور" و"الدعوة السلفية" وكل مَن ينتمي إلى الكيانين الكبيرين دون مراعاة لمبادئ وأبجديات العدل والإنصاف، وما ينبغي مِن تقديم المصلحة العامة مِن استقرار البلاد ومد يد العون لكل مَن يسعى إلى ذلك ومعاونته بدلاً مِن محاولة هدمه وإسقاطه!

وأصبح لا تكاد تمر ساعة وإلا وتزداد فيها شراسة هذه الحملة وشدتها ممن يقف خلفها مِن الليبراليين والعلمانيين وغيرهم، وخصوصًا وأنهم ليسوا وحدهم على هذا الطريق، بل يجتمع معهم مَن يرفعون شعارات: "الإسلام هو الحل"، و"الجماعة الأم"، و"جماعة المسلمين" وغير ذلك.

فقد تفرَّق شمل هؤلاء واختلفت وجهتهم، ولكن اجتمعوا على هدم الكيانات الداعية للحفاظ على أمن البلاد وسلامتها، والتي تسعى لتحقيق استقرار البلاد وقوتها وتحقيق الحياة الكريمة لأهلها.

وأصبح حديث الساعة والعامل المشترك على الفضائيات ومواقع التواصل المختلفة التابعة لمعارضي الدعوة والحزب - السب والتجريح وافتراء الأباطيل والأكاذيب على رموز الحزب والدعوة وشيوخها، وفي مقدمتهم د."ياسر برهامي" الذي صار كثير مِن مخالفيه وشانئيه كأنه يرى أن العدوان والكذب عليه قربة وعبادة، فلا تكاد تسمع حوارًا ولا حديثًا أو لقاءً للمخالفين إلا وتجد أن الذي يتفق عليه كل هؤلاء هو الهجوم على هذا الرجل والتشنيع عليه -ظلمًا وعدوانًا- بغلو وفجاجة، بل واستدعاء فتاوى قديمة له مِنذ سنواتٍ مضت وإعادة طرحها بصورة مبتسرة مزيفة إمعانًا في تشويهه وصرف الناس عنه؛ فلا يحصل لهم إلا عكس مقصودهم، ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .

مما يستدعي توجيه النصح مِن ناحية لهؤلاء المفرطين في العداوة والبغضاء مِن الليبراليين والعلمانيين والإخوان، والتحذير مِن ناحية أخرى مِن سبيلهم وطريقتهم.

فإلى هؤلاء وهؤلاء نقول: إن مِن أسباب النجاة بعد الإيمان بالله واليوم الآخر: "العدل في معاملة الخلق"، وأن يفعل المرء مع الناس ما يحب أن يفعله الناس معه؛ فلا يقدِّم نفسه عليهم، ولا يفعل معهم ما لو فعلوه معه للامهم على ذلك أعظم اللوم.

- فالعدل في معاملة الخلق دليل على كمال الإيمان وصحة الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ؛ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ) (رواه مسلم) .

- وبالعدل يَنال العبد محبة الله -تعالى-، قال الله -سبحانه-: ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الحجرات:9) .

- وبه تُنال الدرجات الرفيعة والمقامات العظيمة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا ) (رواه مسلم) .

- والعدل عامل أساسي في استقرار المجتمع؛ فبه تعود الحقوق إلى أصحابها، ويحصل الأمن والطمأنينة، وتسود روح العدالة وتشيع المحبة بيْن الناس، ويكون النصح والتنافس الشريف، وإن لم يكن ثَمَّ إنصاف؛ حلَّ محل ذلك الحقد والكراهية والحسد، وسادت في المجتمع روح الأنانية، ووُجدت المكائد والمؤامرات التي يلجأ إليها في العادة المقهورون والحاقدون!

- ولذلك أمر الله بالعدل مع جميع الناس حتى مع المخالفين لنا في الدين، فقال -تعالى-: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، وقال: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلا تَعْدِلُوا ) (المائدة:8) .

- بل بعد أن أمرنا الله -تعالى- بلزوم القسط والقيام به عمومًا في قوله: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ... ) نهانا -عز وجل- أن يحمِلْنا بغض قوم على عدم العدل معهم فقال عقب ذلك: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلا تَعْدِلُوا ) ثم كرر -عز وجل- الأمر بالعدل تأكيدًا عليه فقال: ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .

- وإذا كانت الآية الكريمة فيها هذا التنبيه العظيم على وجوب العدل والقسط حتى مع مَن نبغضهم مِن الكافرين والمجرمين؛ فكيف بضرورة ذلك مع أهل الإسلام والإخوة في الدين؟!

فلا شك أن أهل العلم والدعاة إلى الله هم أولى الناس بالمعاملة بالعدل، وجمع الناس عليهم وتوقيرهم وتعظيمهم، وإعانتهم على نشر العلم والحق والتمكين لدين الله وشريعته, وليس الطعن فيهم وسوء الأدب معهم؛ مما ينفـِّر الناس عن الاستماع لهم والانتفاع بعلمهم في وقت المسلمون فيه أحوج ما يكونون إلى مَن يبصرهم بدينهم وبعقيدتهم وعباداتهم التي تتوجه إليها سهام الكارهين للإسلام والليبراليين والعلمانيين مِن الطعن في الله وتشريعاته وأحكامه!

- لذلك كان مِن أعظم الظلم والعدوان محاولة هدم مَن يسعى لتمكين الإسلام والدفاع عنه لأغراض وأهداف أرضية دنيوية؛ لا نقول تظهر في فلتات اللسان، بل يصرِّح به أصحابها من أنهم يهدفون إلى علمنة الدولة أو يهدفون إلى الملك والحكم، وفي سبيل تحقيق ذلك لا يتورعون عن أي شيء.

- ولا شك أن المتورط في صرف الناس عن دعوة الحق وعن أهل العلم والدين هو على خطر عظيم، قال الله -تعالى-: ( أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) (هود:18-19) . نسأل الله العافية.

- وإن حرمة المسلم عند الله عظيمة، والعدل والإنصاف يقتضيان التثبت قبل رمي مسلم بسوء واتهامه به؛ قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... ) (النساء:94) .

- وقال الحسن البصري -رحمه الله- : " المؤمن وقّاف حتى يتبين ".

- فلابد من التحقق والتثبت قبل رمي الناس بالتهم، لا أن يجازف الإنسان ويأخذ غيره بالظنون والشبهات؛ فضلاً أن يلجأ البعض إلى تشويه صورة مَن يختلف معهم بالزور والكذب!

- والعدل الذي أمرنا الله به هو سبيل النجاة لبلادنا وأهلنا مِن السوء والشر، وهو أنجح وأنجع سلاح لرد كيد المتربصين والمفسدين؛ فبه تتحقق التقوى ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى )، وبالتقوى يتحقق النصر.

فاللهم أرنا الحق حقـًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.

وصلِّ اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.