أبناء الدعوة وأصحاب الشجرة
زين العابدين كامل • مع الدعاة
تباينت مواقف الناس، والغالب الأعم منهم قد فرَّ من أرض المعركة إلا قليلاً ثبت فيها، ففي غزوة "أُحد" كان حب الدنيا، وفي "حنين" العُجب بالنفس، ولكن الفارق بين "أُحد" و"حنين" أن أحداث الموقعتين وقعت بصورة معكوسة؛ ففي "أُحد" بدأت المعركة بنصر المسلمين ثم حدثت المصيبة، وفي "حُنَيْن" بدأت المعركة بمصيبة للمسلمين، ثم حدث النصر لهم، ولكن كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ وكيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟
كان أهم شيء فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ضرب لنا القدوة من نفسه كقائد، إذ إنه لو فرَّ القائد فلا أمل في ثبات الجنود، بل إنه لم يكتفِ بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى إن العباس -رضي الله عنه- وكان من الثابتين معه كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم؛ خوفًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والرسول -عليه الصلاة والسلام- متقدم إلى الأمام ينادي بأعلى صوته: ( أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ) (متفق عليه) .
الأمر الثاني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكر في الصحابة وفكر في الجيش ولم ينادِ في هذه المعركة على اثني عشرة ألف مقاتل؛ لأنه يعرف أن فيهم أناسًا حديثو الإسلام يصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه لم ينادِ على العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أننا نعرف جميعًا أن الذي دخل في الإسلام قبل الفتح له درجة عالية في الميزان عند الله -تعالى-، قال الله -عز وجل-: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (الحديد:10) .
ومع ذلك لم ينادِ عليهم جميعًا، ولكنه وجَّه النداء في أولئك الذين يثق في دينهم، ويطمئن لعقيدتهم، فهو يعلم تمامًا أنهم وإن فروا في أول يوم "حنين" إلا أنهم سيعودون سريعًا إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد.
ولكن مَن هؤلاء؟!
إنهم "أصحاب الشجرة"، أصحاب "بيعة الرضوان" الذين شهدوا "صلح الحديبية"، والذين فتحوا "خيبر" بعد ذلك، وهم الذين قال الله في حقهم: ( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح:18) .
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: ( لا يَدْخُلُ النَّارَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ) قَالَتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) (مريم:71) ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قَدْ قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) (مريم:72) (رواه مسلم) .
إن هؤلاء هم الذين بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار، وعلى الموت في سبيل الله -تعالى-، ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة "بيعة الرضوان"؛ لعادوا فورًا إلى القتال، وهؤلاء وإن كانوا ألفًا وأربعمائة فقط من اثني عشرة ألفًا إلا أن الواحد منهم بمائة، وإن شئت فقل: بألف أو بأكثر من ألف، وهؤلاء إذا ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت بثباتهم؛ فلذلك وجَّه الرسول -صلى الله عليه وسلم- نداءه إلى هؤلاء: ( أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ) ثم أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي على هؤلاء المبايعين فرفع العباس صوته، ونادى بكل ما فيه من قوة: "يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، الله الله الكرة على نبيكم يا أصحاب السَّمُرة".
ووالله يا له من شرف، ويا لها من منقبة! هؤلاء هم خواص الخواص.
يقول العباس -رضي الله عنه-: "فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا" (رواه مسلم) ، أي عادوا بسرعة كالبقر الذي يدافع عن أولاده الصغار!
سبحان الله! جاءوا مِن كل مكان في أرض الموقعة، وعلى الرغم من كل الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم لا يرون الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شدة تزاحم الناس، والرجل كان يجد صعوبة في العودة؛ لأنه يقود البعير أو الدابة في عكس الاتجاه، ومع ذلك كان يعود وينزل على قدميه ويترجل لكي يلحق بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهؤلاء هم الرجال الذين على أكتافهم تُبنى الأمة، وما هي إلا لحظات حتى كان مع الرسول مائة من الرجال، وعندما تجمعوا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ ) (رواه أحمد ومسلم) . أي: حميت الحرب، واشتدت الحرب.
وهكذا تغيرت الأحداث في دقائق، وانقلب النصر إلى هزيمة، وتحولت الهزيمة إلى نصر: ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) (التوبة:26) ، وكان الفارق هو تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله يراه؛ انحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات كذلك أدى إلى نصر؛ وذلك لكي تبقى الحقيقة واضحة في الذهن، وراسخة في أعماق المسلمين ( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال:10) .
فيا أبناء الدعوة كونوا كأصحاب الشجرة.
والله المستعان.