موجة التقسيم الثالثة
غريب أبو الحسن • قضايا معاصرة
ولكي تدرك حقيقة الأمور تخيل ذلك الرجل الأبيض، وهو يجلس مسترخيًا في بلاده سواء كان في أمريكا أو أوروبا أو إسرائيل، وقد أمِن من هجوم "داعش"؛ بينما تمارس "داعش" ومَن على شاكلتها الذبح، وبسكاكينها القصيرة والصدأة في: سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وغيرها من بلادنا العربية والإسلامية المنكوبة بهم.
ولكي تدرك الحقيقة المرة تأمل تلك الاستغاثات الليبية لمجتمع الرجل الأبيض أن يتدخل ليوقف تدهور الأوضاع ثم هي لا تسمع بعد ذلك إلا صدى صوتها، ثم إذا تدخل الرجل الأبيض فلن يتدخل إلا لرسم الحدود الجديدة كما تدخلت أمريكا لإيقاف "داعش" عن اقتحام حدود دويلة "الكرد".
فرسالة الرجل الأبيض لنا: أنتم لا تستحقون أن أريق دمي مِن أجل الحصول على ثرواتكم، تلك مرحلة قد ولَّت، بل أنتم أريقوا دماء بعضكم البعض أو نرسل لكم "داعش" لتريق دماءكم، وفي كلا الحالتين ستتنافسون على تقديم موادكم الخام بأبخس الأسعار لنا، وبشروطنا؛ للحصول على خردة سلاحنا لتكملوا دائرة الدم، وبدلاً من مقاومتكم لاحتلالنا لأرضكم، ستتوسلون لنا كي نتدخل لننقذكم من بأس بعضكم على بعض، ولن نفعل إلا ما يحقق مصالحنا!
وبينما يرسل لنا الرجل الأبيض هذه الرسالة واضحة لكل صاحب عينين؛ تأتيه رسائلنا البلهاء، فبينما تفتح المنابر الإعلامية لمنكري عذاب القبر والمستهزئين بالبخاري، والطاعنين في ثوابتنا... تُمنع المنابر مِن مصلحيها!
- تأتي هذه الرسالة بينما تسعى شريحة من أبناء الوطن لهدم مجتمعهم بعد أن أوهمتهم قياداتهم الفاشلة أنهم سيجدون تحت ركامه شرعية بائدة فقدوها بإقصائهم للجميع، وبرغبة محمومة في التفرد بكل شيء.
- تأتي هذه الرسالة بينما تعتقد شريحة أخرى أنهم يسعهم إقصاء الجميع أيضًا، ولكن بطريقة أكثر حرفية من الناحية المضادة نحو التغريب والعلمانية.
فمتى يدرك أبناء وطني أنهم لن تقوم لهم قائمة، ولن يستطيعوا أن يجابهوا عدوهم؛ إلا بالاعتصام بحبل الله -تعالى-، والذي يقضي على الفُرقة والتشرذم؟!
ومتى يدرك مَن ظلوا قابعين على صدور شعوبهم لعقود "ملوكًا ورؤساء وأنظمة" أنهم السبب الرئيس في تسلط أعداء الأمة عليها، وأن دولة الظلم لا تقوم لها قائمة؟!
ومتى يدرك مَن يسيرون خلف تلك الشرعية البائدة أنه لا بديل عن عودتهم لأحضان مجتمعاتهم، وأن قيادة أفقدتهم حب شعوبهم لهم وتَحُول بيْن عودتهم لمجتمعاتهم حقيق أن تستبدل؟!
ومتى يدرك رجال الأعمال والمال والإعلام في بلادنا أن الدولة الفاسدة التي يسعون لعودتها ليستمروا في فسادهم ونهبهم لن تصمد أمام ما يُتوقع من زلازل قادمة؟!
متى يدرك الجميع ممن تقلهم سفينة الوطن المكلوم أن بلادنا لن تستطيع أن تجابه كل تلك الشرور إلا بعون من الله -سبحانه وتعالى-، ثم بشعب متماسك كالبنيان المرصوص؛ يشعر بالعدل والمساواة، قد وقي الله أغنياءه شح أنفسهم، ويؤثر فقراؤه على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وهو مع ذلك كله متمسك بنصوص وحيه يجعلها نصب عينيه؟!