ردًّا على بعض الشبهات حول مقالة: "حكم حلق اللحية والأخذ منها"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
وقد قابل البعض هذا "الغلو" بغلو في تحريم المذهبية ومعاداة كتب المذاهب! وكان الوسط والقصد الذي به نهضت الأمة؛ التعامل مع المذاهب كوسيلة لا غاية، والإبقاء على الثراء الفقهي داخل كل مذهب، وعدم إقصاء أي قول داخل أي مذهب، بل والاستفادة مِن مدرسة الأئمة الكبار في الفقه المقارن.
وراجع ما أوردناه في المقالة عن الطبري "نقلاً عن ابن حجر، وعن ابن عبد البر، وابن تيمية، والنووي" حينما يتعرض للموازنة بيْن كل الأقوال في المسألة؛ ترى أن الاهتمام منصب في المقام الأول على الأدلة ثم على مجمل ما قاله علماء الأمة فيها مِن أقوال "حتى لا يحدث قول جديد أو لو أحدث لا يخالف القدْر الذي أجمعوا عليه مِن القول الآخر في المسألة".
- ونسبة كل قول إلى قائليه فيُقال: في المسألة كذا قول، هم الأول والثاني، وهكذا... والقول الأول دليله كذا، وقال به بعض علماء مذهب كذا، وبعض علماء مذهب كذا، مع تقديم قول الأئمة إذا علم، وهكذا. ومنهم مَن يقدِّم مواطن الاتفاق؛ فيقول: اتفقوا على كذا... واختلفوا في كذا... فمنهم مَن قال بكذا، ومنهم مَن قال بكذا، وهكذا.
وهي طريقة أسهل في الدراسة، وأقرب إلى المقصود (الموازنة بيْن الأقوال والأدلة)، وعليها عمل الأئمة الكبار كما تقدم (ومع هذا فمن يرتب الخلاف على المذاهب، ويتعرض في كل مذهب للمعتمد فيه؛ فكلها مِن باب الوسائل).
وأما إقامة المعارك مِن أجل دفاع أهل كل مذهب عن أحد الأقوال في مذهبهم لمجرد أن عالمًا أو اثنين مهما بلغ قدرهما قد رأيا أنه مذهب الإمام أو أنه حري بأن يخرَّج على أقوال الإمام أو يُقاس عليها أو يُستفاد مِن منطوقها، فإذا كانت هذه الردود قد خرجتْ ممن ينتمي إلى تلك المدارس المذهبية التي تُبنى على التقليد، والتي غالبًا ما تتلبس ببدع أخرى عقدية وعملية؛ فالأمر في ذلك واضح، والخلاف أصيل.
وأما إذا كانت قد خرجتْ ممن يرى أن التمذهب طريقة للدراسة لا للتعبد، وأن الأصل اتباع الدليل؛ فعليه أن يراجع استغراقه في الدراسة بطريقة صممت لبيئة علمية ومنهجية مختلفة.
- أشرتُ في المقالة إلى أن مَن قال بالكراهة صرف الأمر مِن الوجوب إلى الاستحباب بقرائن، ولم أناقشها تفصيليًّا.
- وقد ناقشتْ هذه الردود هذه القرائن، والتي لم تَخرج عن قرينتين:
الأولى: دليل الاقتران في حديث (عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) (رواه مسلم) : فقالوا بحمل هذه العشر كلها على أنها مِن السنن المستحبة، ويكفي في رد هذا أن تعلم أن دلالة الاقتران ضعيفة، وأن الشافعية لم يعملوها هنا؛ فقالوا بوجوب الختان.
وقد أجاب أحدهم بأن الختان ثبت استحبابه بحديث الفطرة "إعمالا لقاعدته"، ثم جاء الأمر به مستقلاً؛ فوجب، ويكون الأمر فيه كان على التدرج مِن الاستحباب إلى الوجوب "ولم يَنسب القول بتدرج تشريع الختان إلى أحدٍ مِن أهل العلم"، ومع أنه لو صح في الختان لصح قي اللحية أيضًا، فقد جاء الأمر بإعفائها وذم حالقها.
القرينة الثانية: أن اللحية مِن الآداب والأمر في الآداب للاستحباب: وهذا وإن قال به مَن قال مِن الشافعية؛ إلا أنه بعيد؛ لكون إطلاق اللحية معلل بالإضافة لكونه مِن الآداب بعلة مخالفة المشركين، ومعلل أن حلقها مُثلة كما في الإجماع الذي نقله ابن حزم -رحمه الله- (وبغض النظر أيضًا عن معنى كلمة لا تجوز الواردة في حكايته للإجماع، ولكن ورد في حكايته للإجماع أنها مثلة).
ومع هذا فقد استعرضنا القول بالكراهة، وبينا حجته إجمالاً حتى يَعرف الناس الخلاف في المسألة فيعطوه قدره، مع النصيحة بمذهب الأئمة الثلاثة، بل ما نراه هو مذهب الشافعي -رحمه الله- أيضًا مِن حرمة الحلق، بل والراجح أيضًا فيما سبق بيانه أن التقصير إنما يجوز أو يشرع فيما زاد على القبضة أو ما شذ وتطاير، وهو مذهب كثير مِن الحنابلة، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما تقدم بيانه.