شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قتلوه قتلهم الله!

زين العابدين كامل • من نور الوحيين

فهذا عمرو -رضي الله عنه- قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها هي مِن قتل النفس المنهي عنه، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.

والمصلحة ما كانت في عز الإسلام، والخوارج فعلوا ما فعلوا، ورفعوا السيوف ظنـًّا منهم بأنهم ينصرون الإسلام، وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع، كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) ، وفي الحديث الآخر: ( بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر أنه من أهل النار، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي على مَن قتل نفسه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى: "فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَصْدِ الإِنْسَانِ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ تَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لَهُ. كَمَا قَالَ الله -تعالى-: ( إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) (التوبة:111) ، وَقَالَ: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ) (البقرة:207) ، أَيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ.

وَالاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لا بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمَرْءُ أَوْ يَجِدُهُ أَوْ يَرَاهُ مِنْ الأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ هَؤُلاءِ كَمَا قَالَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِجَهْلِ أَفْسَدَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ رِضَاهُ أَوْ مَحَبَّتُهُ فِي مُجَرَّدِ عَذَابِ النَّفْسِ وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشَاقِّ حَتَّى يَكُونَ الْعَمَلُ كُلَّمَا كَانَ أَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ كَمَا يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لا، وَلَكِنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ وَمَصْلَحَتِهِ وَفَائِدَتِهِ".

وقال في موضع آخر: "كَمَا أَنَّ مِنْ الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ بَلْ وَالْمَأْمُورِ بِهَا إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا: مَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ تَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً أَوْ مَرْجُوحَةً: كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ، وَكَالطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، هَلا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ )" (انتهى) .

وإقامة الحدود وتنفيذ القصاص مِن الضمانات الكبرى الحافظة للنفس البشرية مِن كل عدوان؛ لذلك أكد الله -تعالى- عليها في مثل قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:178-179)، وقوله: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (المائدة:45) .

ومِن مقاصد الشريعة: "حفظ النسل": وشَرَع لإيجاده: الزواج للتوالد والتناسل، وشرع لحفظه وحمايته: حد الزنا، وحد القذف.

ومِن مقاصد الشريعة: "حفظ العقل": وقد أوجب الشارع -سبحانه- الحفاظ على العقل، فحرَّم كل مسكر وعاقب مَن يتناوله.

ومِن مقاصد الشريعة: "حفظ المال": وأوجب للحفاظ على المال السعي في طلب الرزق، وأباح المعاملات، والمبادلات، والتجارة، وللحفاظ عليه: حرم السرقة، والغش، والخيانة، وتبذير الأموال، وأكل أموال الناس بالباطل، وعاقب على ذلك.

فلابد لنا أن نتعلم مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن نفهم النصوص فهمًا صحيحًا في ضوئها، ولابد مِن النظر إلى فقه المقاصد والمآلات، والجمع بيْن فقه الواقع وفقه الدليل.

والله المستعان.

الصفحة السابقة