دروس مِن قصة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- (3) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
3- حفظ الله لأوليائه: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِي هَذَا الغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ" (رواه البخاري) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
4- فضل الدعاء "بدعوة واحدة تَحول الوادي الميت إلى أعظم بقعة للحياة": ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) .
ويأتي السؤال: لماذا ندعو كثيرًا ولا يستجاب لنا؟!
الجواب: الاستجابة ترجع إلى قوة الدعاء: "التضرع - والتوسل"، وحال الداعي: "الإخلاص".
5- إكرام الله لأوليائه: "ذكرك لا ينقطع بالسعي بيْن الصفا والمروة - الشرب مِن زمزم بعد الطواف - الرمل في الوادي".
6- فضل بئر زمزم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، وعن عروة -رحمه الله- قال: "كَانَتْ عَائِشَة -رضي الله عنها- تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَحْمِلُهُ فِي الأَدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ" (رواه البيهقي، وصححه الألباني) .
(2) الحادثة الثانية: امتحان الخليل بذبح ولده إسماعيل "نيل درجه الخـُلة":
- ذكر القصة مجملة، ثم تلاوة الآيات: ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (الصافات:99-112) .
دروس وفوائد:
1- عظيم ابتلاء إبراهيم -عليه السلام- "الأمر بذبح ولده الوحيد الذي جاء بعد انتظار طويل، مع كماله وجماله": ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (البقرة:124) ، ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم:37) .
2- الجزاء مِن جنس العمل "بر إبراهيم بأبيه بقي له في ولده": ( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) (مريم:45) ، ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (إبراهيم:41) ، ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (الصافات:102) .
3- إن الله لا يضيع أجر المحسنين: "بقاء آثار إبراهيم -عليه السلام- في عبادة العالمين": ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) (الصافات:107-111) .
فائدة: إسماعيل -عليه السلام- هو "الذبيح":
- حسد اليهود للعرب جعلهم يدَّعون أن الذبيح هو إسحاق وليس إسماعيل -عليهما السلام-، وإن تأثر بقولهم بعض مَن أخذ عنهم!
أدلة كون إسماعيل هو الذبيح:
1ـ سياق آيات قصة الذبح؛ حيث ذكر الله البشارة بإسحاق بعد حكاية الذبح؛ مما يدل على الترتيب الزمني.
2- قول الله -تعالى-: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (الصافات:112) ؛ فكيف يبشره بكبره حتى يصير نبيًّا، ثم يأمره بذبحه في الصبا؛ فيكون الأمر ليس على وجه الجد، وليس الأمر كذلك.
3- قوله -تعالى-: ( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) (هود:71) ؛ فلو كان إسحاق -عليه السلام- هو الذبيح؛ فكيف سيكون مِن ذريته يعقوب -عليه السلام-؟
4- الولد الأول يتعلق به قلب الأب أكثر مِن سائر الأولاد؛ فهو الذي يكون به الامتحان.
5- إخبار ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره، أنهم لما فتحوا مكة وجدوا قرن الكبش معلق داخل الكعبة، ومعلوم أن الذي كان في مكة هو إسماعيل -عليه السلام-.
خاتمة:
- هكذا نجح إبراهيم -عليه السلام- في كل الامتحانات التي اُبتلي بها، ووفـَّى بأمر ربه: ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم:37) .
- لم يبقَ لإبراهيم -عليه السلام- إلا أعظم الكلمات وخاتمتها، وهي التي جاء بذريته مِن أجلها إلى مكة، ألا وهي بناء بيت الله الأعظم، قبلة الدنيا، ومهوى أفئدة المؤمنين.
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.