الشيخ "أحمد شاكر" وبدعة التكفير والفتك
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فهذا حكم القتل (السياسي) وهو أشد من القتل العمد الذي يكون بيْن الناس, والقاتل قد يعفو الله عنه بفضله, وقد يجعل القصاص منه كفارة لذنبه بفضله ورحمته, وأما القاتل (السياسي) فهو مصر على ما فعل إلى آخر لحظة في حياته, يفخر به ويظن أنه فَعَل فِعل الأبطال!
وهذا حديث آخر نصّ في القتل (السياسي) لا يحتمل تأويلاً، فقد كان بين الزبير بن العوام وبين علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- ما كان من الخصومة (السياسية) التي انتهت بوقعة "الجمل"، فجاء رجل إلى الزبير بن العوام -رضي الله عنه- فقال: أَلا أَقْتُلُ لَكَ عَلِيًّا؟ قَالَ: لا، وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ وَمَعَهُ الْجُنُودُ؟ قَالَ: أَلْحَقُ بِهِ فَأَفْتِكُ بِهِ. فَقَالَ: لا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( إِنَّ الإِيمَانَ قَيْدُ الْفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ) (رواه أحمد بسند صحيح) . أي أن الإيمان يقيد المؤمن على أن يتردى في هوة الردة؛ فإن فعل لم يكن مؤمنًا.
أما "النقراشي" فقد أكرمه الله بالشهادة -نحسبه فله فضل الشهداء عند الله وكرامتهم-, وقد مات ميتة كان يتمناها كثير من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, تمناها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى نالها, فكان له عند الله المقام العظيم والدرجات العلى، وإنما الإثم والخزي على هؤلاء الخوارج القتلة مستحلي الدماء, وعلى مَن يدافع عنهم، ويريد أن تتردى بلادنا في الهوة التي تردت فيها أوروبا بإباحة القتل (السياسي) أو تخفيف عقوبته, فإنهم لا يعلمون ما يفعلون, ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون، والهدى هدى الله" (جريدة الأساس 2-1-1949م) .
قوله -رحمه الله-: "النقراشي الشهيد... ": الصحيح أن يُقال: ندعو الله أن يتقبله الله في الشهداء، ونحو ذلك... كما قال البخاري -رحمه الله-: "بَابُ لاَ يَقُولُ فُلاَنٌ شَهِيدٌ... قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ" (صحيح البخاري 4/ 37) .
وقوله: "القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس، رضي القلب... فهذا مرتد خارج عن الإسلام": هذا القول مِن فضيلة الشيخ فيه نظر، ولعله يأخذ بمذهب أهل الحديث في تكفير الخوارج بالعموم وإخراجهم من الثنتين وسبعين فرقة مِن فرق الأمة.
وقد قال ابن المنذر -رحمه الله-: "لا أعلم أحدًا وافق أهل الحديث على تكفير الخوارج".
وسيرة علي -رضي الله عنه- تدل على أنه كان لا يكفرهم رغم تكفيرهم له وللمسلمين، وقتلهم لهم متقربين إلى ربهم بذلك! كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، والصواب أن كلامهم وأفعالهم كفر، لكن لا يُكفَّر المعيَّن منهم حتى تثبت عليه الحجة الرسالية، وتستوفى الشروط وتنتفي الموانع، ومِن الموانع: التأويل، وهو رغم أنه تأويل باطل، إلا أنه يمنع التكفير والتخليد في النار، وإن كان لا يمنع عقوبة الدنيا والآخرة.