شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

تاريخ التمذهب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه سلسلة مِن المقالات نتناول فيها قضية التمذهب وعلاقته بأصل الاتباع الذي يمثـِّل واحدًا مِن أهم أصول المنهج السلفي؛ نستعرض فيها الضوابط التي بيَّنها العلماء للجمع بيْن التمذهب كترتيب اتفقت الأمة على إباحته في الجملة، وبيْن ما أجمعت الأمة عليه مِن وجوب اتباع الدليل في قوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) (النساء:59) ، وإجماع الأمة الذي حكاه الشافعي -رحمه الله- حيث قال: "وأجمعوا أن مَن استبانت له سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ مِن الناس كائنًا مَن كان"؛ وبالتالي فعلى طريقة أهل السُّنة والجماعة الذين يجمعون بيْن النصوص فيفسِّرون بعضها على ضوء البعض الآخر.

فمن المعلوم أن التمذهب ترتيبً علميًّ تكونتْ معالمه في الأمة بصورة تراكمية، وبدأ بما يسَّر الله به على عباده بعد أمره باتباع الكتاب والسُّنة مِن تشريع السؤال للعاجز عن النظر فيهما، فقال الله -تعالى-: ( فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ، وتطورت الأمور وواكبتها الأمة دون خروج عن إطار تعظيم الدليل إلى أن كان ما كان مِن الانحراف، وقيَّض الله مجددين جددوا ما اندثر مِن تعظيم الدليل، ووضعوا ضوابط، وبيَّنوا معالم مِن شأنها لو تم الالتزام بها أن تَمنع مِن إعادة الكرَّة، وقد وجدنا مِن أفضل المواطن المختصرة التي تناولت التمذهب؛ لا سيما مِن زاوية علاقة بأصل الاتباع والحرص على فقه الدليل هذا المبحث للدكتور "بكر أبو زيد" -رحمه الله- والمعنون بـ"تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل، وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق لا العصبية والشقاق"، وهو المبحث الرابع مِن المدخل الأول مِن كتابه الماتع: "المدخل المفصَّل لمذهب الإمام أحمد وتخريجات الأصحاب"، وهو مِن مداخل المذهب الحنبلي التي لاقتْ قبولاً عند قطاعٍ عريض مِن المهتمين بشأن المذهب الحنبلي.

وفي هذا المبحث تناول الدكتور "بكر أبو زيد" تاريخ التمذهب والمراحل التي مرَّ بها على وجه الإيجاز غير المخل حتى انتهى إلى عصر تجديد فقه الدليل بغير إنكار للتمذهب كآلية جائزة للتعلم والفتيا على يد شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- ومدرسته الإصلاحية؛ لا سيما تلميذه "شمس الدين ابن القيم" -رحمه الله-، مرورًا ببعض الجهود في ذات الاتجاه: كجهود الإمام "الخطيب البغدادي" والإمام "ابن عبد البر" -رحمهما الله-.

وبعد أن انتهى مِن استعراض تاريخ التمذهب لخص معالم إحياء فقه الدليل في مدرسة ابن تيمية، وسوف نتناول هذه المقالة "تاريخ التمذهب"، ونتناول في المقالة التالية: "معالم الحث على فقه الدليل عند شيخ الإسلام ابن تيمية".

وسوف نورد نص العلامة "بكر أبو زيد" بتمامه ونبرز بعض العبارات المفتاحية، ونعلق على ما يستحق التعليق في الهامش.

يقول العلامة "بكر أبو زيد" -رحمه الله-: (تاريخ التمذهب والحث على فقه الدليل، وأَن الانتساب لمذهب يعني الوفاق، لا العصبية والشقاق: كان أَمر الناس جاريًا على السَّلامة والسَّداد من الإسلام والسُّنة في صدر هذه الأمة مِن عصر الصحابة- رضي الله عنهم- إلى غاية القرون المشهود لها بالفضل والخيرية؛ الشريعة ظاهرة والسُّنة قائمة، والبدع مقموعة، والأَلسن عن الباطل مكفوفة، والعلماء عاملون، ولعلمهم ناشرون، والعامي يستفتي مَن يثق به وتطمئن إِليه نفسه ممن لقيه مِن علماء المسلمين ؛ لم يتخذوا مِن دون الله وَليْجَةَ، ولا إمامًا مِن دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا كتابًا غير كتاب الله -تعالى-، ولا سنة سوى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، مع كثرة فقهاء الصحابة -رضي الله عنهم-، ومنهم الخلفاء الأَربعة الراشدون، ومع وفرة علماء التابعين، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، وفي العصر الواحد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أَن يكون إِمامًا يُتمذهب له، ويُقَلَّدُ في قوله ورأيه، لكن يأَبى الله ورسوله، والمؤمنون أَن يتخذ مَن شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل والخيرية إمامًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصبونه حاكمًا على السنة والدَّليل، وينزلونه منزلة النبي المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.

وكانت الحال جارية على السَّداد في أَعقاب تلك القرون، وفيها الأَئمة الأَربعة المشهورون؛ جرتْ أَحوالهم في ركاب سلفهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم على الخير والهدى، والبِر والتقوى، والعلم ونشره، والفقه وتبليغه، وتنقيح مسائله؛ ولعنايتهم الفائقة وظهور فضلهم، احتوشهم الطلاَّب، وكثر حولهم الأصحاب، وتنافسوا في جمع أقوالهم، وتصنيفها وتأصيلها، والتقعيد لها؛ حتى بلغ أَثَرُ كل منهم مبلغًا، واتُّخِذ مذهبًا، وَصَاحِبَهُ إمامًا، وكان الأصحاب في كَل مذهب مقتصرون على ذلك، ثم أخذ هذا يتقوَّى شيئًا، فشيئًا، حتى تمكنت من النفوس عوامل العصبية، والانتصار والحمية، والتنافس في المذهبية، وَمِن هُنَا انعقدت آصرة التعصب المذهبي ، وبلغتْ إلى بلاط الولاة، وقام سوقها في الدروس والِإجازات، وتطوير المذهب بالتخريج إلى إمام الواقعات والمستجدات، فصار أهل السُّنة إلى هذه المذاهب الأَربعة المشهورة، درسًا وتدريسًا، وقراءة وإقراء، وكتابة وتأليفًا، وقضاءً وفتيا، وعلمًا وعملاً، وصار لها مِن القبول والانتشار ما بلغ مبلغ الليل والنهار، وانصرف الناس إِليها كالعنق الواحد؛ فآلَ جُلّ الخليقة مِن المسلمين إلى قسمين اثنين:

الصفحة التالية