صفحات مطوية من القضية الفلسطينية قبل إقامة دولة إسرائيل (11)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وقد وردت الإشارة إلى نتائج تحقيق هذه اللجنة بعد ذلك بسنوات طويلة، حيث جاء في تقرير اللجنة الملكية حول فلسطين في عام 1937م أن هذه الثورة العربية من عرب فلسطين في عام 1920م كانت ترجع إلى:
1- الخيبة التي شعر بها العرب بسبب عدم الوفاء بوعد الاستقلال الذي حصلوا عليه خلال الحرب العالمية الأولى.
2- اعتقاد العرب الراسخ أن إعلان "بلفور" يحرمهم مِن حق تقرير مصيرهم بأنفسهم، وخشيتهم من أن إقامة مقر لليهود في بلادهم يؤدي إلى ارتفاع كبير في الهجرة اليهودية يعطي اليهود القدرة على السيطرة الاقتصادية والسياسية على فلسطين.
ومما جاء في تقرير اللجنة: "السكان المستقرون هنا منذ زمن بعيد معارضون تمامًا لأية هجرة جماعية لليهود، ومضادون كذلك في الوقت ذاته لأي سيادة يهودية عليهم، وإننا لنسأل أنفسنا: أيمكن أن يكون هناك إنجليزي واحد أو أمريكي واحد يعتقد أن تحقيق البرنامج الصهيوني أمر ممكن بغير مساندة من جيش كبير؟!".
ورفضت اللجنة البرنامج الصهيوني الشامل، واقترحت إبقاء وحدة سوريا مع فلسطين تحت انتداب بريطاني أو أمريكي، مع موافقة محدودة على إنشاء موطن قومي يهودي محدود.
وبصدور وثائق الانتداب الإنجليزي والفرنسي على البلاد العربية من "عصبة الأمم"، وكما جاء في اتفاقية "سايكس - بيكو" بدا أن الأمر قد انتهى واستقر، وقد فرض الاستعمار الأوروبي على العرب ما أراد رغم الآلاف من العرب الذين سقطوا وغطت أجسادهم أراضي هذه البلاد العربية في مواجهة الأتراك ثم الإنجليز والفرنسيين (راجع في ذلك: ملف إسرائيل لروجيه جارودي - تاريخ المسألة الفلسطينية لفيصل أبو خضرا) .
- ومما يجدر الإشارة إليه أن مصر قد تعرضت إلى ما يشبه ما تعرضت له الحجاز والشام والعراق؛ إذ كانت مصر تابعة للدولة العثمانية، ولكن يحكمها "محمد علي" باشا ثم أبناؤه مِن بعده، طبقًا لما اتفقت تركيا مع "محمد علي" باشا عليه بعد الحروب التي وقعت بين الطرفين، وكان يطلق على حاكم مصر مِن قِبَل أسرة "محمد علي" لقب: (خديوي).
وقد شجع الخديوي "توفيق" الإنجليز على دخول مصر لمساندته في نزاعه مع الجيش بعد ثورة عرابي، فصارت مصر مع تبعيتها للدولة العثمانية ولأسرة "محمد علي" تحت احتلال بريطاني فعلي منذ عام 1882م.
وقد قامت في مصر حركة وطنية تندد بمساوئ الاحتلال الإنجليزي في مصر كان في مقدمتها الزعيم "مصطفى كامل"، ومِن بعده خليفته "محمد فريد".
ولما قامت الحرب العالمية الأولى ووقع العداء بين تركيا وإنجلترا؛ انفردت إنجلترا بحكم مصر، فلم تعد مصر تابعة لتركيا، ومع وجود الحركة الوطنية وخوف إنجلترا من تعاطف المصريين مع تركيا كان وعد إنجلترا للمصريين بمنحهم الاستقلال بعد نهاية الحرب وهزيمة تركيا فيها على أن تقدم مصر مساعدات لإنجلترا خلال تلك الحرب، وقد التزم المصريون بذلك وتحملوا توابعه.
ثم لما انتهت الحرب بهزيمة تركيا نكثت إنجلترا وعدها، ورفضت إعطاء مصر حق الاستقلال، ورفضت ذهاب وفدٍ مِن مصر إلى مؤتمر باريس للسلام لعرض مطلب مصر بالاستقلال، وكان الوفد بقيادة "سعد زغلول" الذي عاقبته إنجلترا بالنفي خارج مصر؛ مما أشعل ثورة شعبية عام 1919م أجبرت إنجلترا على السماح للوفد المصري بالتوجه لباريس، ولكنه عاد بخيبة أمل أمام رفض الدول المنتصرة في الحرب لمطلب استقلال مصر؛ مما دفع المصريين لاستكمال ثورتهم الشعبية، والتي انتهت بمنح مصر استقلالاً صوريًّا، صارت به مصر مملكة مستقلة في الظاهر، لكن لبريطانيا حق التدخل والتحكم الفعلي في شئونها.