دروس مِن قصة آدم -عليه السلام- (موعظة الأسبوع) (1)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد وتعريف:
- القرآن يحض على معرفة قصص الأنبياء والاستفادة منها: قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف:111) .
- كثير مِن الناس يكتفي بمعرفة القصة إجمالاً أو بمعلومات مغلوطة أو مخلوطة بالإسرائيليات، والمطلوب أخذ العبرة والعظة: قال الله -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ( (الأعراف:27) .
(1) نسب آدم -عليه السلام- وصفة خلقه:
- هو آدم، أبو البشر وأبو الأنبياء: ولا يقال: ابن مَن؟ فإنه لا والد له ولا والدة، والناس يُنسبون إليه، ولا يُنسَب هو إليهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
- خلقه الله مِن تراب مخلوط بالماء حتى صار طينًا، ثم ترك الطين حتى صار له رائحة منتنة، ثم تركه حتى جف فصار كالفخار: قال الله -تعالى-: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) (السجدة:7) ، ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (الحجر:26) ، ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) (الرحمن:14) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ: جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ، وَالأَبْيَضُ، وَالأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني ) .
- الذرية وإن كانت مِن نطفة، إلا أن لها خصائص الطين: قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) (السجدة:8) .
- سبب تشريف الطين هي الروح المؤمنة الطائعة لله: قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (الحجر:29) .
- إذا فارقت الروح الجسد عاد إلى طبيعة الطين "النتن": قال الله -تعالى-: ( قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) (المائدة:31) .
- الروح لها رغبات تخالف رغبات الجسد، فالجسد يريد الشهوات "أكل - شرب - جماع" والروح تريد القرب مِن الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ ) (رواه مسلم) ، وقال الله -تعالى-: ( كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) (العلق:19) .
- لا بد مِن الموازنة بيْن حقوق الروح والجسد خلافًا للمدارس المنحرفة في التربية "كالرهبانية - والصوفية" التي تزعم ان الخير في حرمان الجسد مِن رغباته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) (رواه البخاري) .
(2) هيئة آدم وخلق حواء -عليهما السلام-:
- خلقه الله على أحسن هيئة، وأكمل خلقة: قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (التين:4) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ ) (متفق عليه) .
- خلق الله له حواء مِن ضلعه، ليأنس بها ويسكن إليها، ويكون منهما النسل: قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً ) (النساء:1) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ ) (متفق عليه) .
فائدة: الخلق في الناس على أربعة أصناف "والله يفعل ما يريد":
الأول: مِن غير ذكر ولا أنثى، وهو آدم -عليه السلام-.
الثاني: مِن ذكر دون أنثى، وهى حواء -عليها السلام-.
الثالث: مِن أنثى دون ذكر، وهى المسيح -عليه السلام-.
الرابع: مِن ذكر وأنثى، وهو سائر الناس.
(3) آدم والملائكة -عليهم السلام-:
- الملائكة خلق عظيم كريم مجبولون على طاعة الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ ) (رواه مسلم) ، وقال الله -تعالى-: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (الأنبياء:20) .
- سؤال الملائكة كان استرشادًا واستفهامًا وخشية التقصير: قال الله -تعالى-: ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) (البقرة:30) .
- بيان فضل آدم على الملائكة -عليهم السلام-: قال الله -تعالى-: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة:31) .
(4) آدم -عليه السلام- وابليس:
- كان إبليس يعيش مع الملائكة لكثرة عبادته ولم يكن منهم: قال الله -تعالى-: ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) (الكهف:50) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) (رواه مسلم) .
- بوادر الحسد المبكر عند إبليس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمَالَكُ ) (رواه مسلم) .
(5) الامتحان بالسجود وبداية الأحداث:
- الأمر بالسجود بعد نفخ الروح في آدم: قال الله -تعالى-: ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (الحجر:29) .
- كان ذلك سجود تحية وتقدير، وقد نسخ في شريعتنا: قال الله -تعالى-: ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ) (يوسف:100) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ -رضي الله عنه- لما سجد له: ( فَلا تَفْعَلُوا، لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحَقِّ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- موقف المأمورين: قال الله -تعالى-: ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ) (الحجر:30-31) ، ( إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة:34) .
- إبليس يعلن عن السبب الفاسد الدال على فساد قلبه: قال الله -تعالى-: ( قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) (الأعراف:12) ، ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) (ص:75) ، ( قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) (الإسراء:61) ، ( قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (الأعراف:12) .
- ومِن هنا بداية الصراع والعداوة بين الشيطان والإنسان.
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله -.