لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
نجد هذا الذي يتوسل به إلى الله -عز وجل- ليس إلا ثناءً على الله -سبحانه-، وهذا الثناء متضمن للطلب في إزالة الكرب؛ فأنت إذا قلتَ: لا إله إلا الله مستحضرًا أنك تفزع إليه -سبحانه- في تفريج هذه الكربة؛ فهذا أعظم وسيلة لكشف الكربات، فإن أضفتَ إليها التوسل إلى الله -عز وجل- بإلهيته وربوبيته كان مِن أعظم أسباب المغفرة، لذلك كان هذا سببًا لإزالة الكرب.
فالمسلمون يقعون في الكرب بسبب الذنوب، فإذا وحدوا الله غفر الذنوب وزالت الكروب -بإذن الله-؛ لذا نجد أن الشرك أعظم أسباب الكرب، وأعظم أسباب المصائب؛ لأنه أعظم الذنوب، فالشرك بالله والكفر به وتكذيب رسله سبب في أن يظل العبد في العذاب الأبدي السرمدي إذا مات عليه، وكم مِن أقوام نزل بهم عقاب الله بسبب تكذيبهم وكفرهم وشركهم بالله؛ فإذا حقق العبد التوحيد واستحضره في قلبه وهو يدعو الله فإن ذلك مِن أعظم أسباب إزالة الكرب.
ثم التسبيح تنزيه الرب -عز وجل- عن كل نقص وعن كل عيب؛ وذلك أن الناس في مقام الكرب يقعون في أنواع مِن المنكرات والضلالات، والتي مِن أخطرها وأعظمها تضييعا للعقيدة: أن يظن بالله الظنون، أو أن الله يضع الأشياء في غير مواضعها؛ فتنكر الحكمة كما يفعل كثير مِن الناس عند المصيبة، يقولون: لماذا فعل الله بنا هذا؟! وبعضهم يقوله بلسان الحال، وبعضهم بلسان المقال، وبعضهم يعترض على ربه وينسب له الظلم؛ فأنت في الكرب تنزِّه الله عن هذا الظن السيئ، وتسبحه -سبحانه-: "سبحانك ما ظلمتني، سبحانك أنتَ منزه عن أن تضع الأشياء في غير موضعها، بل ما أصابني حق وعدل، وما أصابني مِن كرب ومصيبة فأنا محقوق به، أنا الظالم لنفسي، أنا المقر على نفسي، وأنت يا رب المتفضل، وأنتَ يا رب لك الحمد في كل ذلك، ولا أتهم ربي أبدًا"؛ وهذا بلا شك مِن أعظم أسباب جبر الإنسان؛ لأنه انكسر لله، فإنه يُجبَر -بإذن الله-.
فهذا مِن الفوائد العظيمة للمصائب والمحن؛ لأنها تكسر الإنسان لله، فتعالِج ما قد يصاحِب الطاعة أحيانًا مِن الشعور بأن له فضلاً ومنزلة، كما فعل الجهلة مِن الأعراب الذين قال الله عنهم: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) (الحجرات:17) ، قال بعضهم: أسلمنا ولم نقاتِلك يا محمد إذ قاتلك غيرنا، إسلامهم ناقص مدخول وليس إيمانًا واجبًا في الحقيقة؛ لذا قال الله -تعالى- عنهم: ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) (الحجرات:14) ، ومع ذلك يمُنّون بإسلامهم، وهذا حال الجاهل، نعوذ بالله مِن ذلك.
فالمصائب والمحن والكروب، ثم الاعتراف على النفس بالظلم مِن أعظم أسباب الجبر؛ قال الله -سبحانه وتعالى- عن دعوة يونس -عليه السلام-: ( لا إِلَ?هَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (الأنبياء:87) ، وقال آدم وحواء -عليهما السلام-: ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الأعراف:23) ، وعلـَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن يقول: ( اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (متفق عليه) .
فمعرفة الإنسان نفسه بالظلم انكسار يزيد على انكساره بالمصيبة والمحنة التي أصابته، واعترافه على نفسه؛ كل ذلك مِن أسباب جبره بإذن الله سبحانه وتعالى؛ فاللهم اجبر كسرنا، وأذهب همنا وغمنا، وفرِّج آلام المسلمين في كل مكان.