مناقشات في التمذهب (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
سادسًا: التزام فقه الدَّليل مع احترام أَئمة العلم والدِّين في القديم والحديث؛ فلا نغلو فيهم، ولا نَجْفُوهم؛ وعليه فاعقد قلبك على كلمة الفصل في الأَئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- على ما يأتي:
أَنهم مِن خيار علماء المسلمين وفقهائهم، ولهم قدم صدق في الإسلام، وجهود جليّة كريمة في الفقه وأَبواب العلم، ونشره، والذبّ عن الحرمات، وصيانة الملة مِن الدخولات، والأَهواء، والبدع المضلة.
وأَنهم ليسوا بالمعصومين، بل الواحد منهم بيْن الأَجر والأَجرين في فروع الدِّين.
وأَن حقيقة اتباعهم: الأَخذ بالدليل مِن السُّنة والتنزيل.
وأَن الوحيين الشريفين حاكمان على أقوالهم وآرائهم.
وأَن أقوالهم مهمة لنا؛ للاستعانة بها على معرفة الحق بدليله.
وأَنه لا يجوز الاستغناء بمذاهبهم عن طلب الدليل.
وأَنهم لما هم عليه مِن العلم والهدى، أَقرب منَّا للصواب في اجتهاداتهم مِن اجتهادنا لأَنفسنا.
وأَن علينا الاحتياط لأَنفسنا في دنيانا، ويوم العرض على ربنا، فننظر في أَقرب أقوالهم وأَهداها إلى الحق والاحتياط، وأَبعدها عن الاشتباه، فنأخذ به.
سابعًا: اتفق الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- على منع تقليدهم، وما مِن إمام منهم إلا وقال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"؛ لهذا فإِن الأَخذ بالدليل، وإن خالف رأي صاحب المذهب؛ هو تقليد له في صورة: "ترك التقليد".
لكن أًبَى الأَتباع إلَّا التقليد الأَصم، والتعصب الأَعمى، وفي هذا عدة بلايا: مخالفة المقلِّد هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومخالفته لِإمام المذهب، ومنابذة النص؛ وكل هذه مآثم جلبها له: التعصب المقيت. نعوذ بالله مِن الهوى.
ثامنًا: أَجمع المسلمون أَنه لا يجوز للمقلِّد أَن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، فيما قَلَّد غيره فيه في مواضع الاجتهاد، ولكن يقول: هذا هو حكم كذا في مذهب الإمام الذي قلدته، أو استفتيته فأَفتى به.
تاسعًا: كل حكم فرعي مُدَوَّن في أَي مذهبٍ لا يخلو مِن واحد مِن ثلاثة أًقسام:
1- قِسْمٌ الحق فيه ظاهرٌ بيِّن: لقيام الدليل مِن كتاب أو سُنة أَو إٍجماع، وهو في كل باب مِن أبواب الفقه، ظاهر كثير؛ فهذا يجب الأَخذ به على سبيل الاتباع لصاحب الشريعة -صلى الله عليه وسلم، لا على سبيل التقليد لصاحب ذلك المذهب؛ لأَنه تشريع عام للأُمة، ليس مِن مجالات الاجتهاد.
2- قِسْمٌ مرجوح؛ لمخالفته الدليل: فهذا لا يجوز الأخذ به، ولا تقليد ذاك الإمام به، بل يجب دفعه، وترك الالتفات إلى العمل به، وهو على قلة في كل مذهب، لكن مُعَدَّل نسبته في كل مذهب يختلف مِن مذهب إلى آخر حسب الركون إلى الرأي في تلك المذهب قلة وكثرة؛ فالإمام أَبو حنيفة -رحمه الله تعالى- أُخذت عليه مسائل خالَف فيها الدليل، وهو أَكثر الأَئمة المتبوعين في ذلك؛ لأَنه أَكثرهم رأيًا.
فمنها في مذهبه:
تركه العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأَموال!
وتركه العمل بحديث التغريب للزاني البكر!
وفي الصلاة: عدم لزوم الطمأنينة فيها، وأَن تكبيرة الِإحرام لا تتعين للدخول فيها، ولا السلام للخروج منها!
وغيرها كثير بسطها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "إعلام الموقعين".
ومنها في مذهب الإمام مالك -رحمه الله تعالى- "وهو أَقل مِن سابقه الإمام أَبي حنيفة":
كراهة صيام الست مِن شوال!
وأَن إفراد صيام يوم الجمعة: حسن غير مكروه!
وعدم الجهر بآمين!
وعدم رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه!
وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد!
والقول بعدم خيار المجلس!
ومنها في مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- "وهو أقل مِن سابقيه -رحمة الله على الجميع-":
نقض الوضوء بمجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل.
ومنها في مذهب الإمام أَحمد -رحمه الله تعالى- "وهو أَقل مِن الأَئمة الثلاثة قبله، بل هي على ندرة في مذهبه":
صيام يوم الشك احتياطًا، وهو يوم الثلاثين مِن شعبان؛ إذا كانت السماء مغيمة. وسيأتي في آخر "المبحث السادس" بيان الغلط على الإمام.
3- قِسم مِن مسائل الاجتهاد التي تجاذبتها الأَدلة؛ فهذا محل نظر الفقيه:
وهذا القسم كثير في كل مذهب؛ لأَن الوقائع متجددة، والنوازل متكررة، والمستجدات غير متناهية.
ثم هذا القسم في كل مذهب على أَربعة أَنواع:
أ- ما تصح نسبته إلى ذلك الإمام
ب- ما لا تصح نسبته إِليه وقد نُسب إليه.
ج- ما ألحق بعده على قواعد مذهبه تخريجًا عليه.
د- ما زاده بعض المتأخرين على مذهبه وقتًا بعد وقت مما لا يقره هو، بل في مذهبه ما ينقضه.
فيا مَن شُغفت بالتقليد؛ تَرَفَّق، لا تنسب إلى مَن تُقَلدهُ ما هو بريء منه، فتقع في تأثيم نفسك مرتين؛ مرة في التقليد الأصم، ومرة في التجاوز بنسبة ذلك إلى مَن تقلده، وهو بريء منه.
عاشرًا: باب الاجتهاد مفتوح بِشَرْطِه فَلاَ تَلْتَفِت إلى دعوى انقراض عصر الاجتهاد وسَد بابه: فهي مِن نفثات متعصبة المذاهب الذين لا يُبِيْحُوْنَ لأَنفسهم الخروج عما في كتب مذهبهم، فيريدون مِن ورائها أَن لا يخرج أَحد عليهم باجتهاد يخترق به المذاهب بالدليل والبرهان، فيقول لهم: أَنتم تقلدون المذهب الفلاني بكذا، والله -سبحانه- يقول كذا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا.
وهذا يُثير الدهماء على المقلدة، ويُوجههم للدليل، وفيه ما فيه من سَلْب حظوظ النفس. والله المستعان.
وقد سَرَت هذه زَمَنًا، ثم اخترقها المصلحون، بل أَصبح الاجتهاد ضرورة فقهية لمستجدات الحياة المعاصرة، يستحيي متعصب مِن القول بهذه المقولة، وهو أَول مَن يجتازها وما هذه المقولة في فسادها، إلا كقولهم: "أَهل الحديث ليسوا فقهاء!" .
وقول الشعوبية للغض مِن العرب: "أَكثر المحدّثين مِن غير العرب!".
وهذه وأمثالها تأتي مِن قصور النظر تارة، والحمية تارة، والتتابع على الغلط تارة، والتفريط تارة، وطريق الِإنصاف: التثبت والوسطية:
فَلاَ تُوغِلَنَ إذا مَا سَبَحْتَ فَإِنَّ السَّلاَمَةَ في السَّاحِلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السِّير للذهبي 18/ 507، والظاهر مِن قول الهروي أنه يريد مِن حيث نصرة السُّنة ومكاسرة الإمام أحمد -رحمه الله- للمبتدعة؛ فيكون إذن واقعًا موقعه.