شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإعلام وثوابت الإسلام (2)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

عقيدة فتنة القبر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل الحديث حول موضوع "الإعلام وثوابت الإسلام"، ونتناول في هذا المقال قضية من الثوابت التي تعرض لها الإعلام في حملته المشبوهة، ألا وهي قضية "عقيدة فتنة القبر"، هذه القضية التي تبنى التكذيب بها قديمًا الخوارج وبعض المعتزلة، فالخوارج أنكروا فتنة القبر بحجة عدم ثبوت الدليل عليها في القرآن! وكذلك بعض المعتزلة بحجة مخالفته للعقول!

وها هو أحد الإعلاميين حديثًا يجلس على أريكته بين المكيفات، وهو يتناول بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتنة القبر بالنقد والتكذيب، والسخرية أحيانًا، حتى إنه يعلق على أحد الأحاديث قائلاً: "ولا في ثعبان أقرع ولا بشعر!".

ويزعم أنه بَحث في القرآن فلم يجد دليلاً على هذه القضية، معترفًا على نفسه برفضه وتكذيبه لما ورد من أدلة السنة، وبجهله وبدعته، فإن إنكار عذاب القبر ونعيمه بدعة ضلالة؛ لأنه ثابت بالقرآن والسنة المتواترة -معنويًّا- والإجماع.

- أما القرآن: فقد وردت آيات القرآن الكريم في أكثر من عشرة مواضع بإثباته، ومن ذلك:

إخبار الله -تعالى- بعرض الكفار على النار قبل يوم القيامة، فقال -تعالى- عن آل فرعون: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (غافر:46) ، وهذا من أصرح الأدلة القرآنية على عذاب القبر، إذ دلت الآية الكريمة على أن العرض على النار قبل قيام الساعة، وهذا هو عذاب القبر.

- وقال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) (النحل:28-29) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُخْبِرُ -تَعَالَى- عَنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ احْتِضَارِهِمْ وَمَجِيءِ الْمَلائِكَةِ إِلَيْهِمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، ( فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ) أَيْ: أَظْهَرُوا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَالانْقِيَادَ قَائِلِينَ: ( مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ )... قَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ: ( بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) أَيْ: بِئْسَ الْمَقِيلُ وَالْمَقَامُ وَالْمَكَانُ مِنْ دَارِ هَوَانٍ لِمَنْ كَانَ مُتَكَبِّرًا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَهُمْ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ مِنْ يَوْمِ مَمَاتِهِمْ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَيَأْتِي أَجْسَادَهُمْ فِي قُبُورِهَا مِنْ حرِّها وَسَمُومِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ سَلَكَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ وَخَلَدَتْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ( لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) كَمَا قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (غَافِرٍ:46) " (تفسير ابن كثير) .

- وقال -تعالى- عن قوم نوح -عليه السلام-: ( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ) (نوح:25) ، فأخبر القرآن أنهم أُدخِلوا بالفعل نارًا.

- وقال الله -تعالى-: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) (الأنعام:93) . فمن ساعة احتضارهم يُعذَّبون. ( وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ): أي بالضرب والعذاب. وقوله: ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ): نص قاطع أنهم يبَشَّرون بالعذاب مِن يوم احتضارهم، وليس كما ينكره الجاهل الضال!

- وقال الله -تعالى- متوعدًا المنافقين بثلاثة أنواع من العذاب "أحدها عذاب القبر": ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) (التوبة:101) . فالمرتين: مرة في الدنيا، ومرة في القبر، ثم يردون إلى عذاب يوم القيامة وهو العذاب العظيم.

- وقال الله -تعالى- متوعدًا الكفارَ به قبل عذاب الآخرة: ( وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (الطور:47) . قال ابن جرير -رحمه الله- في تفسيره: "وعن البراء -رضي الله عنه-: (عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ) قال: عذاب القبر".

- وقال الله -تعالى- مبينًا أن أول مراتب تثبيت المؤمنين تكون في القبر: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) (إبراهيم:27) ، عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) قَالَ: ( نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي -مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) (رواه مسلم) . (وانظر تفسير ابن كثير لهذه الآيات الكريمة) .

فهذه أدلة قرآنية صريحة في إثبات فتنة القبر.

الصفحة التالية