شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحق أحق أن يُتبع

زين العابدين كامل • التزكية

وفي قصة أبي طالب المشهورة عن ابن المُسَيِّب عن أبيه: أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: ( أَيْ عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ )، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالاَ يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ ) فَنَزَلَتْ: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ ) (التوبة:113) ، وَنَزَلَتْ: ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (القصص:56) (رواه البخاري) . فتأمل كيف للعصبية أن تكون سببًا في منع الإنسان مِن اتباع الحق وهو يعلمه ويوقن به؟!

وأبو طالب كان يدافع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمر الدعوة إلى الله -تعالى-، وكان يقف حصنًا منيعًا أمام المشركين من أن يؤذوا ابن أخيه، وكان يعلم أنه على الحق؛ ولذا سيخفف الله عنه العذاب يوم القيامة بشفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له، فعن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ( هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلاَ أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) .

وفي قصة إبليس -عليه لعنة الله- ترى الإعراض عن طريق الحق؛ بسبب العجب والكبر -والعياذ بالله-، قال الله -تعالى-: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) (ص:71-81) .

وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ) (رواه مسلم) ، أي: من الطين، فإبليس مخلوق من النار، والملائكة مخلوقة من النور، ولكن إبليس كان مطيعًا لله -تعالى- حتى صار كواحد من الملائكة كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد في رحلة المعراج إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فلما قيل للملائكة: ( اسْجُدُوا لآدَمَ ) (الأعراف:11) ، كان الأمر لإبليس أيضًا كواحد منهم، فرفض إبليس السجود لآدم -عليه السلام- واستكبر ونظر إلى شيء واحد، وهو أصل الخليقة ولم ينظر إلى عظمة مَن أمره بالسجود، وهو الله -تعالى- ثم قال: ( قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (الأعراف:14) .

فهو يعلم أن الله هو ربه، وأن العمر بيد الله وحده، وأن الله هو الذي يٌدعى، وهو يقر باليوم الآخر، ولكنه كفر بالله؛ لأن حقيقة الإيمان هي الطاعة والانقياد، وهكذا عَلِم إبليس الحق وكفر به وحاد عنه؛ لذا فيجب على مَن علم الحق أن يتبعه ولا يحيد عنه، ولو خالف هواه وأمانيه؛ فالحق أحق أن يُتبع، وقال عمر -رضي الله عنه-: "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل".

والرجوع إلى الحق صعب على المستكبرين حتى كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى السماء، والاعتراف بالحق مِن الفضائل، وهو مِن شيم الرجال، قال الخليل بن أحمد: "الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ يَدْرِي وَلا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي؛ فَذَاكَ غَافِلٌ فَنَبِّهُوَهُ، وَرَجُلٌ لا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لا يَدْرِي؛ فَذَاكَ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ، وَرَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي؛ فَذَاكَ عَاقِلٌ فَاتَّبِعُوهُ، وَرَجُلٌ لا يَدْرِي وَلا يَدْرِي أَنَّهُ لا يَدْرِي؛ فَذَاكَ مَائِقٌ فَاحْذَرُوهُ".

وفي قصة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- المشهورة أنه: "جِيءَ بِامْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ تَزَوَّجَتْ، فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَبَعَثَ بِهَا عُثْمَانُ لِتُرْجَمَ، اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلاً قَبْلَ الْعَقْدِ لِوِلادَتِهَا قَبْلَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) (الأحقاف:15) ، وَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلا-: ( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (لقمان:14) ، فَلَمْ يَبْقَ عَنِ الْفِصَالِ مِنَ الْمُدَّةِ إِلا سِتَّةُ أَشْهُرٍ. فَمَا عَبِدَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ بَعَثَ إِلَيْهَا لِتُرَدَّ وَلا تُرْجَمَ".

ومحل الشاهد من القصة: قوله: "فَمَا عَبِدَ عُثْمَانُ": أي ما أنِف ولا استنكف من الرجوع إلى الحق.

وهذا عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التميمي قاضي البصرة، ولي قضاء البصرة وكان محمودًا ثقة عاقلاً، قال الوثيق بن يوسف: "ما رأيتُ رجلاً قط أعقل من عبيد الله بن الحسن، سُئل عن مسألة وهو في حضور جنازة فأخطأ فيها، فقيل له: الحكم فيها كذا وكذا... فأطرق ساعة ثم قال: إذن أرجع وأنا صاغر؛ لأن أكون ذَنبًا في الحق أحب إليَّ مِن أن أكون رأسًا في الباطل!".

الصفحة السابقة الصفحة التالية