شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الالتزام بين الحقيقة والخيال (3)

زين العابدين كامل • التزكية

وقال سهل بن عبد الله -رحمه الله-: "أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله -تعالى-، والاقتداء بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام والتوبة، وأداء الحقوق".

وها هو موقف الأئمة الأعلام إذا خالف قولهم الكتاب والسنة:

1- الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقال: "إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاتركوا قولي".

2- الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- قال: "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فـانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"، وقال: "ليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ".

3- الإمام الشافعي -رحمه الله- قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعوا ما قلت"، وقال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقال: "كل حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني".

4- الإمام أحمد -رحمه الله- قال: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ مِن حيث أخذوا"، وقال: "مَن ردَّ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو على شفا هلكة".

ولذا قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها، وخالف منها ما خالف النص؛ لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقـًّا مَن امتثل ما أوصوا به لا مَن خالفهم" (الروح لابن القيم -رحمه الله-) .

"وعلى الجملة، فكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لم يتركا في سبيل الهداية قولاً لقائل، ولا أبقيا لغيرهما مجالاً يعتد به فيه، وإن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، وكل مطلوب فيما شرع، وما سوى ذلك مما خالفهما فضلال وبهتان، وإفك وخسران، وإن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى، ظافر بكل الخير دنيا وأخرى... وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: لو خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة! قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟!

إلى غير ذلك مِن الآثار الدالة على أن البدع تغلب على المشروعات، وأن ذلك قد كان قبل زماننا، وقد استفحل أمرها على توالي الأيام إلى اليوم، والسعيد الموفق مَن أحيا السنة ودعا إلى الله، وخالف ما اعتاد الناس وإن ادعوا أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، غير مبال بما يرمونه به من التنطع في العمل والتشدد في الدين، فلا بد أن نصبر ونتواصى بالصبر مع التواصي بالحق، ويروى عن أويس القرني -رحمه الله- أنه قال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقًا، نأمر بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانًا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم، وايم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه" (بتصرف من كتاب "الإبداع في مضار الابتداع" للشيخ علي محفوظ، وهو من الكتب التي لا بد للملتزم من مطالعتها) .

والموفق السعيد مَن انتظم في سلك مَن أحيا سنة وأمات بدعة، فكن يا أخي أنت ذلك الرجل؛ فقد كثرت البدع وعم ضررها واستطار شررها، ودام الانكباب على العمل بها مع السكوت عن الإنكار لها حتى صارت كأنها سنن مقررة وثابتة! وهنا يتأكد وجوب الإنكار على مَن عنده فيها علم، فالمتعرض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز في العمل حيث قال: "ألا وإني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره!".

وكذلك ما عليه الناس اليوم؛ فاغتنم أيها الموفق هذه المنقبة، وكن مع أهلها، فإن النبي -صلوات الله وسلامه عليه- قال لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في غزوة "خيبر": ( فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ) (متفق عليه) .

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى-.

الصفحة السابقة