شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناقشات في التمذهب (3)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

وهذه بدعة قبيحة حَدَثَتْ في الأمة، لم يقل بها أَحد مِن أَئمة الإسلام وهم أَعلى رتبة وأَجل قدرًا وأعلم بالله ورسوله مِن أن يلزموا الناس بذلك!

وأَبعد منه قول مَن قال: يلزمه أَن يتمذهب بمذهب عالم مِن العلماء!

وأَبعد منه قول مَن قال: يلزمه أَن يتمذهب بأَحد المذاهب الأَربعة!

فيا لله العجب!

ماتت مذاهب أَصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أَئمة الإسلام، وبطلت جملةً؛ إلا مذاهب أَربعة أَنفسٍ فقط مِن بيْن سائر الأَئمة والفقهاء؟! وهل قال ذلك أَحد مِن الأَئمة أو دعا إليه أو دلَّت عليه لفظة واحدة مِن كلامه عليه؟!

والذي أَوجبه الله -تعالى- ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجبُ ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز، والزمان والمكان والحال، فذلك أيضًا تابع لما أَوجبه الله ورسوله، ومَنْ صحح للعامي مذهبًا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إِليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح؛ للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريمُ تَمذْهُبه بمذهب نظير إِمامه أو أَرجح منه، أو غير ذلك مِن اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أَنه إِذا رأى نص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه؛ أَن يترك النصَّ وأَقوال الصحابة ويُقَدم عليها قول مَن انتسب إليه.

وعلى هذا فله أن يستفتي مَنْ شاء مِن أَتباع الأئمة الأَربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أَن يتقيد بأَحد مِن الأَئمة الأربعة بإِجماع الأمة، كما لا يجب على العالم أَن يتقيد بحديث أَهل بلده أو غيره مِن البلاد، بل إِذا صح الحديث وجب عليه العمل به حِجازيُّا كان أو عراقيّا أو شاميّا أو مصريُّا أو يمنيًا، وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رَسْم المصحف الإمام وصَحَّت في العربية وصح سَنَدُها.

جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقًا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحابة بعده؛ جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال. والثاني: تبطل الصلاة بها، وهاتان روايتان منصوصتان عند الإمام أحمد. والثالث: إِن قرأ بها في ركن لم يكن مؤديًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة، وهذا اختيار أَبي البركات ابن تيمية، قال: لأَنه لم يتحقق الِإتيان بالركن في الأَول ولا الإتيان بالمبطل في الثاني، ولكن ليس له أَن يتبع رُخَصَ المذاهب وأًخْذُ غرضه مِن أَي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الِإمكان" انتهى .

خامسًا: عقد الشورى في مسائل الخلاف:

إِن الله -سبحانه- هو الذي خلقنا مِن نفس واحدة كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (النساء:1) .

وجعلنا أمة واحدة: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأَنبياء:92) .

وجعل الرابطة بيْن المسلمين: الأخوة الإسلامية: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) .

وقطع كل رابطة دونها مِن الروابط العرقية، والوطنية، والمالية، فقال -سبحانه-: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (التوبة:24) .

وجعل معبودها واحدًا، ونبيها واحدًا، وقبِلتها واحدة، وقطع كل ما يتسرب إلى صدع هذه الوحدة، أو شق هذه الجماعة والله العليم الحكيم قد دعا الأمة إلى هذه الوحدة، وفي سابق علمه -سبحانه- أَن الخلاف في المسائل النظرية، والعملية، وتباين وجهات النظر، واختلاف المدارك والفهوم، لا بد أَن يكون، وهذا أَمر طبعي لمن منحهم الله العقل والتمييز؛ لهذا ومحافظة على عدم شق هذه الوحدة دعاهم إلى الشورى، وهذا مِن أَدل الدلائل، وأَعظم الوسائل المفيدة إلى أنه ليس كل خلاف مذمومًا، بل مع سلامة المقاصد "خلاف محمود"؛ لتتسعَ المدارك والفهوم.

مِن هنا كان الخلاف جاريًا بيْن الأَئمة الأربعة أَنفسهم كما جرى بيْن مَن قبلهم، ومَن بعدهم إلى أَن يشاء الله، وهذا الخلاف يفتح سيولة فكرية، وثراءً علميًّا، في فحص النصوص واستقراء دلالتها المتنوعة، وهذا ما حصل في أي خلاف فقهي، ومنه: "الخلاف الفقهي بيْن الأَئمة الأربعة"؛ فالموفَّق المسدد هو الذي يتخذ مِن هذا الخلاف في قلبه وعقله "مجلس شورى" يعقده للمناظرة بيْن آرائهم، ويحكمهم إلى الكتاب والسُّنة، فينظر أَهداها وأَقربها، وأَطوعها للنص ويأخذ به.

إذا انتهينا إلى الترجيح، فلا تشنيع ولا تأثيم على صاحب القول المرجوح، بل نُنزل خلافه على واحد مِن أَسباب الاعتذار المعلومة، والتي نرى جملتها في: "رفع الملام عن الأَئمة الأعلام".

وليكن في عقدة كل عالم: أن القول الذي اختاره ورجحه، يحتمل الخطأ، وأن يكون مقابله هو الصواب؛ لهذا كم رأينا مِن إمام رجع عن رأي له إلى مقابله؛ لدليل ظهر له، وتعليل بان له على خلاف ما سبق، وهذا يدل على نبل وفضل، ودين وعقل، وأَنه متلمس للحق أَبدًا.

وليكن في عقدة كل عالم: أَن الِإثم محطوط عن المجتهد في الدنيا والآخرة، وأَنه في الآخرة كذلك لمن يكشف عن هذه المسائل الخلافية الاجتهادية التي يخوض غمارها المجتهدون، ويصرفون لها قواهم، والله -سبحانه- أَكرم مِن أَن يفضح عبده بيْن يديه على رؤوس الخلائق وهو باذل جهده ووسعه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية