جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 1
ابن جرير الطبري • التفسير • ج1 ص326
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
القول في تأويل قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القوم الضلالة بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم إيمان فيقال فيهم باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم
حتى استبدلوها منه؟ وقد علمت أن معنى الشراء المفهوم PageEndV01P325 اعتياض شيء ببذل شيء مكانه عوضا منه، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة لم يكونوا قط على هدى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرا ونفاقا؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فنذكر ما قالوا فيه، ثم نبين الصحيح من التأويل في ذلك إن شاء الله
حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] أي الكفر بالإيمان "
وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] يقول أخذوا الضلالة وتركوا الهدى "
وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: " {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] استحبوا الضلالة على الهدى "
وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، " في قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] آمنوا ثم كفروا " وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وجهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشتري مكان الثمن المشترى به، فقالوا: كذلك المنافق والكافر قد أخذا مكان الإيمان الكفر، فكان ذلك منهما شراء للكفر والضلالة اللذين أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى، وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضا من الضلالة التي أخذاها. وأما الذين تأولوا أن معنى قوله: {اشتروا} [البقرة: 16] : استحبوا، فإنهم لما وجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفار في موضع آخر فنسبهم إلى استحبابهم الكفر على الهدى، فقال: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17] صرفوا قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] إلى ذلك وقالوا: PageEndV01P327 قد تدخل الباء مكان على، وعلى مكان الباء، كما يقال: مررت بفلان ومررت على فلان بمعنى واحد، وكقول الله جل ثناؤه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل عمران: 75] أي: على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختاروا الضلالة على الهدى. وأراهم وجهوا معنى قول الله جل ثناؤه: {اشتروا} [البقرة: 16] إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واشتريته يعنون اخترته عليه. ومن الاشتراء قول أعشى بني ثعلبة: [البحر المتقارب]
فقد أخرج الكاعب المشتراة من خدرها وأشيع القمارا
يعني بالمشتراة: المختارة. وقال ذو الرمة في الاشتراء بمعنى الاختيار: [البحر الطويل]
يذب القصايا عن شراة كأنها ... جماهير تحت المدجنات الهواضب
يعني بالشراة: المختارة. PageEndV01P328 وقال آخر في مثل ذلك: [البحر السريع]
إن الشراة روقة الأموال ... وحزرة القلب خيار المال
قال أبو جعفر: وهذا وإن كان وجها من التأويل فلست له بمختار لأن الله جل ثناؤه قال {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] فدل بذلك على أن معنى قوله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] معنى الشراء الذي يتعارفه الناس من استبدال شيء مكان شيء وأخذ عوض على عوض. وأما الذين قالوا: إن القوم كانوا مؤمنين وكفروا، فإنه لا مؤنة عليهم لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم، لأن الأمر إذا كان كذلك فقد تركوا الإيمان، واستبدلوا به الكفر عوضا من الهدى. وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل أول الآيات في نعوتهم إلى آخرها دالة على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان ولا دخلوا في ملة الإسلام، أوما تسمع الله جل ثناؤه من لدن ابتدأ في نعتهم إلى أن أتى على صفتهم إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم بدعواهم التصديق بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، خداعا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم واستهزاء في نفوسهم بالمؤمنين، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون، لقول الله جل جلاله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم PageEndV01P329 الآخر وما هم بمؤمنين} [البقرة: 8] ثم اقتص قصصهم إلى قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا؟ . فإن كان قائل هذه المقالة ظن أن قوله: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] هو الدليل على أن القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر، فلذلك قيل لهم: اشتروا؛ فإن ذلك تأويل غير مسلم له، إذ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذ شيء بترك آخر غيره، وقد يكون بمعنى الاختيار وبغير ذلك من المعاني. والكلمة إذا احتملت وجوها لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها. قال أبو جعفر: والذي هو أولى عندي بتأويل الآية ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: {اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدل بالإيمان كفرا باكتسابه الكفر الذي وجد منه بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوما تسمع الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرا به مكان الإيمان به وبرسوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} [البقرة: 108] وذلك هو معنى الشراء، لأن كل مشتر شيئا فإنما يستبدل مكان الذي يؤخذ منه من البدل آخر بدلا منه، فكذلك المنافق والكافر استبدلا بالهدى الضلالة والنفاق، فأضلهما الله وسلبهما نور PageEndV01P330 الهدى فترك جميعهم في ظلمات لا يبصرون
#
