شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 1

ابن جرير الطبري • التفسير • ج1 ص119

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

الله} [الفاتحة: 1] على ما بطن من مراده الذي هو محذوف. وذلك أن الباء من {بسم الله} [الفاتحة: 1] مقتضية فعلا يكون لها جالبا، ولا فعل معها ظاهر، فأغنت سامع القائل {بسم الله} [الفاتحة: 1] معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولا، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به، إما معه وإما قبله بلا فصل، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله أفتتح قيله به. فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه، نظير استغنائه إذا سمع قائلا قيل له: ما أكلت اليوم؟ فقال، طعاما، عن أن يكرر المسؤول مع قوله «طعاما» أكلت؛ لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ثم افتتح تاليا سورة، أن إتباعه {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] تلاوة السورة، ينبئ عن معنى قوله: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] . وكذلك قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله، ينبئ عن معنى مراده بقوله {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، وأنه أراد بقيله {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله؛ وكذلك سائر الأفعال. وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك هو معنى قول ابن عباس الذي

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو PageEndV01P113 روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " إن أول ما نزل به جبريل على محمد قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: قال له جبريل: قل: بسم الله يا محمد يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله " قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويل قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما وصفت، والجالب الباء في {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما ذكرت، فكيف قيل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] بمعنى أقرأ بسم الله أو أقوم أو أقعد بسم الله، وقد علمت أن كل قارئ كتاب الله فبعون الله وتوفيقه قراءته، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلا، فبالله قيامه وقعوده وفعله؟ وهلا إذا كان ذلك كذلك قيل: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، ولم يقل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، فإن قول القائل: أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم، أو أقرأ بالله، أوضح معنى لسامعه من قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، إذ كان قوله: أقوم وأقعد بسم الله، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله. قيل له: إن المقصود إليه من معنى ذلك غير ما توهمته في نفسك. وإنما معنى قوله: {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسمية الله، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره؛ لا أنه يعني PageEndV01P114 بقيله {بسم الله} [الفاتحة: 1] : أقوم بالله، أو أقرأ بالله؛ فيكون قول القائل: أقرأ بالله، وأقوم وأقعد بالله، أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله: بسم الله. فإن قال: فإن كان الأمر في ذلك على ما وصفت، فكيف قيل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، وقد علمت أن الاسم اسم، وأن التسمية مصدر من قولك سميت؟ قيل: إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامة، وإنما بناء مصدر أفعلت إذا أخرج على فعله: الإفعال، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر فعلت التفعيل، ومن ذلك قول الشاعر: [البحر الوافر]

أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا

يريد: إعطائك. ومنه قول الآخر: [البحر الطويل]

وإن كان هذا البخل منك سجية ... لقد كنت في طولي رجاءك أشعبا

يريد: في إطالتي رجاءك. ومنه قول الآخر: [البحر الكامل] PageEndV01P115 أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم

يريد إصابتكم. والشواهد في هذا المعنى تكثر، وفيما ذكرنا كفاية، لمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر على ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال على غير بناء أفعالها كثيرا، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودا فاشيا، تبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله، قبل فعلي، أو قبل قولي. وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] إنما معناه: أقرأ مبتدئا بتسمية الله، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية، كما جعل الكلام مكان التكليم، والعطاء مكان الإعطاء. وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك، روي الخبر عن عبد الله بن عباس

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: " أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم PageEndV01P116 قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. قال ابن عباس: {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، يقول له جبريل: يا محمد اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله " وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتحا قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] : أقرأ بتسمية الله وذكره، وأفتتح القراءة بتسمية الله، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى وفساد قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بالله الرحمن الرحيم في كل شيء، مع أن العباد إنما أمروا أن يبتدئوا عند فواتح أمورهم بتسمية الله لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كالذي أمروا به من التسمية على الذبائح والصيد، وعند المطعم والمشرب، وسائر أفعالهم، وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيل الله وصدور رسائلهم وكتبهم. ولا خلاف بين الجميع من علماء الأمة، أن قائلا لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام: بالله، ولم يقل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، أنه مخالف بتركه قيل {بسم الله} [الفاتحة: 1] ما سن له عند التذكية من القول. وقد علم بذلك أنه لم يرد بقوله {بسم الله} [الفاتحة: 1] ، بالله كما قال الزاعم أن اسم الله في قول الله: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ، هو الله؛ لأن ذلك لو كان كما زعم، لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبيحته بالله قائلا ما سن له من القول على PageEndV01P117 الذبيحة. وفي إجماع الجميع على أن قائل ذلك تارك ما سن له من القول على ذبيحته، إذ لم يقل بسم الله دليل واضح على فساد ما ادعى من التأويل في قول القائل {بسم الله} [الفاتحة: 1] وأنه مراد به بالله، وأن اسم الله هو الله. وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أم غيره أم هو صفة له؟ فنطيل الكتاب به، وإنما هو موضع من مواضع الإبانة عن الاسم المضاف إلى الله، أهو اسم أم مصدر بمعنى التسمية؟ فإن قال قائل: فما أنت قائل في بيت لبيد بن ربيعة: [البحر الطويل]

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

فقد تأوله مقدم في العلم بلغة العرب، أنه معني به: ثم السلام عليكما، وأن اسم السلام هو السلام. قيل له: لو جاز ذلك وصح تأويله فيه على ما تأول، لجاز أن يقال: رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول لبيد: ثم اسم السلام عليكما، أنه أراد: ثم السلام عليكما، وادعائه أن إدخال الاسم في ذلك وإضافته إلى PageEndV01P118 السلام إنما جاز، إذا كان اسم المسمى هو المسمى بعينه. ويسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا، فيقال لهم: أتستجيزون في العربية أن يقال: أكلت اسم العسل، يعني بذلك أكلت العسل، كما جاز عندكم اسم السلام عليك، وأنتم تريدون السلام عليك؟ فإن قالوا: نعم خرجوا من لسان العرب، وأجازوا في لغتها ما تخطئه جميع العرب في لغتها. وإن قالوا: لا سئلوا الفرق بينهما، فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله. فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبيد هذا عندك؟ قيل له: يحتمل ذلك وجهين، كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن السلام اسم من أسماء الله؛ فجائز أن يكون لبيد عنى بقوله: ثم اسم السلام عليكما: ثم الزما اسم الله وذكره بعد ذلك، ودعا ذكري والبكاء علي؛ على وجه الإغراء. فرفع الاسم، إذا أخر الحرف الذي يأتي بمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت المغرى به، وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر: [البحر الرجز] PageEndV01P119 يا أيها المائح دلوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا

فأغرى بدونك، وهي مؤخرة؛ وإنما معناه: دونك دلوي فذلك قول لبيد:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما يعني: عليكما اسم السلام، أي الزما ما ذكر الله، ودعا ذكري، والوجد بي؛ لأن من بكى حولا على امرئ ميت فقد اعتذر، فهذا أحد وجهيه. والوجه الآخر منهما: ثم تسميتي الله عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه: واسم الله عليك. يعوذه بذلك من السوء، فكأنه قال: ثم اسم الله عليكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه المعنيين بقول لبيد. ويقال لمن وجه بيت لبيد هذا إلى أن معناه: ثم السلام عليكما: أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا، أو أحدهما، أو غير ما قلت فيه؟ فإن قال: لا أبان مقداره من العلم بتصاريف وجوه كلام العرب، وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال: بلى قيل له: فما برهانك على صحة ما ادعيت من التأويل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه محتمله من الوجه الذي يلزمنا تسليمه لك؟ ولا سبيل إلى ذلك. وأما الخبر الذي

حدثنا به، إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن PageEndV01P120 يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم فقال له عيسى: وما بسم؟ فقال له المعلم: ما أدري فقال عيسى: الباء: بهاء الله، والسين: سناؤه، والميم: مملكته " فأخشى أن يكون غلطا من المحدث، وأن يكون أراد: «ب س م» ، على سبيل ما يعلم المبتدئ من الصبيان في الكتاب حروف أبي جاد. فغلط بذلك، فوصله فقال: «بسم» ؛ لأنه لا معنى لهذا التأويل إذا تلي {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] على ما يتلوه القارئ في كتاب الله، لاستحالة معناه على المفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها، إذا حمل تأويله على ذلك

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية