شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 1

ابن جرير الطبري • التفسير • ج1 ص166

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

القول في تأويل قوله تعالى: {يوم الدين} [الفاتحة: 4]

قال أبو جعفر: والدين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال، كما قال كعب بن جعيل: [البحر الكامل]

إذا ما رمونا رميناهم ... ودناهم مثل ما يقرضونا

وكما قال الآخر: [البحر الكامل]

واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأنك ما تدين تدان

يعني ما تجزي تجازى. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: {كلا بل تكذبون بالدين} [الانفطار: 9] يعني بالجزاء {وإن عليكم لحافظين} [الانفطار: 10] يحصون ما تعملون من الأعمال. وقوله تعالى: {فلولا إن كنتم غير مدينين} [الواقعة: 86] يعني غير مجزيين بأعمالكم ولا محاسبين.

PageEndV01P157

وللدين معان في كلام العرب غير معنى الحساب والجزاء سنذكرها في أماكنها إن شاء الله. وبما قلنا في تأويل قوله: {يوم الدين} [الفاتحة: 4] جاءت الآثار عن السلف من المفسرين، مع تصحيح الشواهد لتأويلهم الذي تأولوه في ذلك

حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: " {يوم الدين} [الفاتحة: 4] قال: يوم حساب الخلائق هو يوم القيامة، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إلا من عفا عنه، فالأمر أمره. ثم قال: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] "

وحدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " {مالك يوم الدين} : هو يوم الحساب "

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " {مالك يوم الدين} قال: يوم يدين الله PageEndV01P158 العباد بأعمالهم "

وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {مالك يوم الدين} قال: يوم يدان الناس بالحساب "

القول في تأويل قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] لك اللهم نخشع ونذل ونستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك.

كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل يا محمد: إياك نعبد، إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك " وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا، وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستكين، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة؛ لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وأنها تسمي الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام وذللته السابلة: معبدا. ومن ذلك قول طرفة بن العبد: [البحر الطويل] PageEndV01P159 تباري عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبد

يعني بالمور: الطريق، وبالمعبد: المذلل الموطوء ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، ومنه سمي العبد عبدا لذلته لمولاه. والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى.

القول في تأويل قوله تعالى: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها، لا أحد سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره بمعبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع

أمورنا مخلصين لك العبادة. كالذي

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثني بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: " {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] قال: إياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها " PageEndV01P161 فإن قال قائل: وما معنى أمر الله عباده بأن يسألوه المعونة على طاعته؟ أو جائز وقد أمرهم بطاعته أن لا يعينهم عليها؟ أم هل يقول قائل لربه: إياك نستعين على طاعتك، إلا وهو على قوله ذلك معان، وذلك هو الطاعة، فما وجه مسألة العبد ربه ما قد أعطاه إياه؟ قيل: إن تأويل ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه؛ وإنما الداعي ربه من المؤمنين أن يعينه على طاعته إياه، داع أن يعينه فيما بقي من عمره على ما كلفه من طاعته، دون ما قد تقضى ومضى من أعماله الصالحة فيما خلا من عمره. وجازت مسألة العبد ربه ذلك لأن إعطاء الله عبده ذلك مع تمكينه جوارحه لأداء ما كلفه من طاعته وافترض عليه من فرائضه، فضل منه جل ثناؤه تفضل به عليه، ولطف منه لطف له فيه؛ وليس في تركه التفضل على بعض عبيده بالتوفيق مع اشتغال عبده بمعصيته وانصرافه عن محبته، ولا في بسطه فضله على بعضهم مع إجهاد العبد نفسه في محبته ومسارعته إلى طاعته، فساد في تدبير ولا جور في حكم، فيجوز أن يجهل جاهل موضع حكم الله، وأمره عبده بمسألته عونه على طاعته. وفي أمر الله جل ثناؤه عباده أن يقولوا: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] بمعنى مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدر، الذين أحلوا أن يأمر الله أحدا من PageEndV01P162 عباده بأمر أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه. ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا؛ لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته، إذ كان على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك؛ بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور. ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا، لكان القائل: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] إنما يسأل ربه أن لا يجور. وفي إجماع أهل الإسلام جميعا على تصويب قول القائل: اللهم إنا نستعينك؛ وتخطئتهم قول القائل: اللهم لا تجر علينا، دليل واضح على خطأ ما قال الذين وصفت قولهم، إن كان تأويل قول القائل عندهم: اللهم إنا نستعينك، اللهم لا تترك معونتنا التي تركها جور منك. فإن قال قائل: وكيف قيل: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فقدم الخبر عن العبادة، وأخرت مسألة المعونة عليها بعدها؟ وإنما تكون العبادة بالمعونة، فمسألة المعونة كانت أحق بالتقديم قبل المعان عليه من العمل والعبادة بها. قيل: لما كان معلوما أن العبادة لا سبيل للعبد إليها إلا بمعونة من الله جل ثناؤه، PageEndV01P162 وكان محالا أن يكون العبد عابدا إلا وهو على العبادة معان، وأن يكون معانا عليها إلا وهو لها فاعل؛ كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه، كما سواء قولك للرجل إذا قضى حاجتك فأحسن إليك في قضائها: قضيت حاجتي فأحسنت إلي، فقدمت ذكر قضائه حاجتك. أو قلت: أحسنت إلي فقضيت حاجتي، فقدمت ذكر الإحسان على ذكر قضاء الحاجة؛ لأنه لا يكون قاضيا حاجتك إلا وهو إليك محسن، ولا محسنا إليك إلا وهو لحاجتك قاض. فكذلك سواء قول القائل: اللهم إنا إياك نعبد فأعنا على عبادتك، وقوله: اللهم أعنا على عبادتك فإنا إياك نعبد. قال أبو جعفر: وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، كما قال امرؤ القيس: [البحر الطويل]

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال

يريد بذلك: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيرا. وذلك من معنى التقديم والتأخير، ومن مشابهة بيت امرئ القيس بمعزل؛ من أجل أنه قد يكفيه القليل من المال ويطلب الكثير، فليس وجود ما يكفيه منه بموجب له ترك طلب الكثير. فيكون نظير العبادة التي بوجودها وجود المعونة عليها، وبوجود المعونة عليها وجودها، ويكون ذكر أحدهما دالا على الآخر، فيعتدل في صحة الكلام تقديم ما قدم منهما قبل صاحبه أن يكون موضوعا في درجته ومرتبا في مرتبته. فإن قال: فما وجه تكراره: {إياك} [الفاتحة: 5] مع قوله: {نستعين} [الفاتحة: 5] وقد تقدم ذلك قبل نعبد؟ وهلا قيل: إياك نعبد ونستعين، إذ كان المخبر عنه أنه المعبود هو المخبر عنه أنه المستعان؟ PageEndV01P163 قيل له: إن الكاف التي مع إيا، هي الكاف التي كانت تتصل بالفعل، أعني بقوله: {نعبد} [الفاتحة: 5] لو كانت مؤخرة بعد الفعل. وهي كناية اسم المخاطب المنصوب بالفعل، فكثرت بإيا متقدمة، إذ كان الأسماء إذا انفردت بأنفسها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد، فلما كانت الكاف من إياك هي كناية اسم المخاطب التي كانت تكون كافا وحدها متصلة بالفعل إذا كانت بعد الفعل، ثم كان حظها أن تعاد مع كل فعل اتصلت به، فيقال: اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك؛ وكان ذلك أفصح في كلام العرب من أن يقال: اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد؛ كان كذلك إذا قدمت كناية اسم المخاطب قبل الفعل موصولة بإيا، كان الأفصح إعادتها مع كل فعل. كما كان الفصيح من الكلام إعادتها مع كل فعل، إذا كانت بعد الفعل متصلة به، وإن كان ترك إعادتها جائزا. وقد ظن بعض من لم يمعن النظر أن إعادة إياك مع نستعين بعد تقدمها في قوله: {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] بمعنى قول عدي بن زيد العبادي: [البحر البسيط]

وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا PageEndV01P164 وكقول أعشى همدان: [البحر الكامل]

بين الأشج وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود

وذلك جهل من قائله؛ من أجل أن حظ إياك أن تكون مكررة مع كل فعل لما وصفنا آنفا من العلة، وليس ذلك حكم بين لأنها لا تكون إذا اقتضت اثنين إلا تكريرا إذا أعيدت، إذ كانت لا تنفرد بالواحد. وأنها لو أفردت بأحد الاسمين في حال اقتضائها اثنين كان الكلام كالمستحيل؛ وذلك أن قائلا لو قال: الشمس قد فصلت بين النهار، لكان من الكلام خلفا لنقصان الكلام عما به الحاجة إليه من تمامه الذي يقتضيه بين. ولو قال قائل: اللهم إياك نعبد لكان ذلك كلاما تاما. فكان معلوما بذلك أن حاجة كل كلمة كانت نظيرة {إياك نعبد} [الفاتحة: 5] إلى إياك كحاجة نعبد إليها، وأن الصواب أن تكرر معها إياك، إذ كانت كل كلمة منها جملة خبر مبتدأ، وبينا حكم مخالفة ذلك حكم بين فيما وفق بينهما الذي وصفنا قوله.

القول في تأويل قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] في هذا الموضع عندنا: وفقنا للثبات عليه، كما روي ذلك عن ابن عباس

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: " قل يا محمد {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، يقول: ألهمنا الطريق الهادي " وإلهامه إياه ذلك هو توفيقه له كالذي قلنا في تأويله. ومعناه نظير معنى قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] في أنه مسألة العبد ربه التوفيق للثبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره دون ما قد مضى من أعماله وتقضى فيما سلف من عمره، كما في قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] مسألة منه ربه المعونة على أداء ما قد كلفه من طاعته فيما بقي من عمره. فكان معنى الكلام: اللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليه من أنبيائك وأهل طاعتك من السبيل والمنهاج. فإن قال قائل: وأنى وجدت الهداية في كلام العرب بمعنى التوفيق؟ قيل له: ذلك في كلامها أكثر وأظهر من أن يحصى عدد ما جاء عنهم في ذلك من الشواهد، فمن ذلك قول الشاعر: [البحر البسيط]

لا تحرمني هداك الله مسألتي ... ولا أكونن كمن أودى به السفر PageEndV01P167 يعني به: وفقك الله لقضاء حاجتي. ومنه قول الآخر: [البحر المتقارب]

ولا تعجلني هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا

فمعلوم أنه إنما أراد: وفقك الله لإصابة الحق في أمري. ومنه قول الله جل ثناؤه: {والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258] في غير آية من تنزيله. وقد علم بذلك أنه لم يعن أنه لا يبين للظالمين الواجب عليهم من فرائضه. وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وقد عم بالبيان جميع المكلفين من خلقه؟ ولكنه عنى جل وعز، أنه لا يوفقهم، ولا يشرح للحق والإيمان صدورهم. وقد زعم بعضهم أن تأويل قوله: {اهدنا} [الفاتحة: 6] زدنا هداية. وليس يخلو هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكون قائله قد ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمسألة ربه الزيادة في البيان، أو الزيادة في المعونة والتوفيق. فإن كان ظن أنه أمر بمسألة الزيادة في البيان فذلك ما لا وجه له؛ لأن الله جل ثناؤه لا يكلف عبدا فرضا من فرائضه إلا بعد تبيينه له وإقامة الحجة عليه به. ولو كان معنى ذلك معنى مسألته البيان، لكان قد أمر أن يدعو ربه أن يبين له ما فرض عليه، وذلك من الدعاء خلف؛ لأنه لا يفرض فرضا إلا مبينا لمن فرضه عليه، أو يكون أمر أن يدعو ربه PageEndV01P168 أن يفرض عليه الفرائض التي لم يفرضها. وفي فساد وجه مسألة العبد ربه ذلك ما يوضح عن أن معنى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] غير معنى بين لنا فرائضك وحدودك، أو يكون ظن أنه أمر بمسألة ربه الزيادة في المعونة والتوفيق. فإن كان ذلك كذلك، فلن تخلو مسألته تلك الزيادة من أن تكون مسألة للزيادة في المعونة على ما قد مضى من عمله، أو على ما يحدث. وفي ارتفاع حاجة العبد إلى المعونة على ما قد تقضى من عمله ما يعلم أن معنى مسألة تلك الزيادة إنما هو مسألته الزيادة لما يحدث من عمله. وإذا كان ذلك كذلك صار الأمر إلى ما وصفنا وقلنا في ذلك من أنه مسألة العبد ربه التوفيق لأداء ما كلف من فرائضه فيما يستقبل من عمره. وفي صحة ذلك فساد قول أهل القدر الزاعمين أن كل مأمور بأمر أو مكلف فرضا، فقد أعطي من المعونة عليه ما قد ارتفعت معه في ذلك الفرض حاجته إلى ربه؛ لأنه لو كان الأمر على ما قالوا في ذلك لبطل معنى قول الله جل ثناؤه: {إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] وفي صحة معنى ذلك على ما بينا فساد قولهم. وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] : أسلكنا طريق الجنة في المعاد، أي قدمنا له وامض بنا إليه، كما قال جل ثناؤه: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [الصافات: 23] أي أدخلوهم النار؛ كما تهدى المرأة إلى زوجها، PageEndV01P169 يعني بذلك أنها تدخل إليه، وكما تهدى الهدية إلى الرجل، وكما تهدي الساق القدم؛ نظير قول طرفة بن العبد: [البحر المديد]

لعبت بعدي السيول به ... وجرى في رونق رهمه

للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه

أي ترد به الموارد. وفي قول الله جل ثناؤه: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] ما ينبئ عن خطأ هذا التأويل مع شهادة الحجة من المفسرين على تخطئته؛ وذلك أن جميع المفسرين من الصحابة والتابعين مجمعون على أن معنى الصراط في هذا الموضع غير المعنى الذي تأوله قائل هذا القول، وأن قوله: {وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] مسألة العبد ربه المعونة على عبادته، فكذلك قوله اهدنا، إنما هو مسألة الثبات على الهدى فيما بقي من عمره. والعرب تقول: هديت فلانا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق: إذا أرشدته إليه وسددته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جل ثناؤه: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا} [الأعراف: 43] وقال في موضع آخر: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} [النحل: 121] وقال: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] وكل ذلك فاش في منطقها موجود في كلامها، من ذلك قول الشاعر: PageEndV01P170 أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل

يريد: أستغفر الله لذنب، كما قال جل ثناؤه: {واستغفر لذنبك} [غافر: 55] ومنه قول نابغة بني ذبيان: [البحر السريع]

فيصيدنا العير المدل بحضره ... قبل الونى والأشعب النباحا

يريد: فيصيد لنا. وذلك كثير في أشعارهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية