جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص120
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ومنه الخبر الذي حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن السائب، قال: جاءني عثمان وزهير ابنا أمية، فاستأذنا لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أعلم به منكما، ألم تكن شريكي في الجاهلية؟» قلت: نعم بأبي أنت وأمي، فنعم الشريك كنت لا تماري ولا تداري " يعني بقوله: لا تداري: لا تخالف رفيقك وشريكك ولا تنازعه ولا تشاره. وإنما أصل {فادارأتم} [البقرة: 72] فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال، PageEndV02P119 وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الشفتين، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين، فأدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مشددة، كما قال الشاعر: [البحر الطويل]
تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
يريد إذا ما تتابع القبل، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها، وذلك إذا كان قبله شيء؛ لأن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، ومنه قول الله جل ثناؤه: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا} [الأعراف: 38] إنما هو تداركوا، ولكن التاء منها أدغمت في الدال فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف إذا وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل: يقال: اداركوا وادارءوا. وقد قيل إن معنى قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] فتدافعتم فيها، من قول القائل: درأت هذا الأمر عني، ومن قول الله: {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] بمعنى يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول الأول؛ لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، PageEndV02P120 فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله، كما قد بينا قبل فيما مضى من كتابنا هذا. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال أهل التأويل
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " في قول الله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال: اختلفتم فيها " حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال الآخرون: أنتم قتلتموه "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: " في قوله: {فادارأتم فيها} [البقرة: 72] قال: اختلفتم، وهو التنازع تنازعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه، وقال هؤلاء: لا " وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها
#
