جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص233
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: " {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] قال: لا يؤمن منهم إلا قليل " قال معمر: وقال غيره: «لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم» وأولى التأويلات في قوله: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] بالصواب ما نحن متقنوه إن شاء الله؛ وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك PageEndV02P234 نصب قوله: {فقليلا} [البقرة: 88] لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان القليل مرفوعا لا منصوبا؛ لأنه إذا كان ذلك تأويله كان القليل حينئذ مرافعا ما وإن نصب القليل، وما في معنى من أو الذي بقيت ما لا مرافع لها، وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ما التي في قوله: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها، وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره: {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159] وما أشبه ذلك. فزعم أن ما في ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم؛ وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك ببيت مهلهل: [البحر المنسرح]
لو بأبانين جاء يخطبها ... خضب ما أنف خاطب بدم
وزعم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن ما زائدة. وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في ما في الآية، وفي البيت الذي أنشده، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت ما كلمة تجمع كل الأشياء ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها. PageEndV02P235 وهذا القول عندنا أولى بالصواب؛ لأن زيادة ما لا تفيد من الكلام معنى في الكلام غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه. ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون من الإيمان قليل أو كثير فيقال فيهم فقليلا ما يؤمنون؟ قيل: إن معنى الإيمان هو التصديق، وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله وبالبعث والثواب والعقاب، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به لأنه في كتبهم، ومما جاءهم به موسى؛ فصدقوا ببعض هو ذلك القليل من إيمانهم، وكذبوا ببعض فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به. وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قيل: {فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 88] وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط، وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل، يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة، والمعنى فيه نفي جميعه
#
