جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص257
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: " قال الله تعالى ذكره وهو يعيرهم، يعني اليهود: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] " فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟ قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك، فقال بعض البصريين: معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل؟ كما قال جل ثناؤه: {واتبعوا ما تتلو الشياطين} أي ما تلت، وكما قال الشاعر: [البحر الكامل]
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت لا يعنيني
يريد بقوله: ولقد أمر: ولقد مررت. واستدل على أن ذلك كذلك بقوله: فمضيت عنه، ولم يقل: فأمضي عنه. وزعم أن فعل ويفعل قد تشترك في معنى واحد، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: [البحر الطويل] PageEndV02P258 وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد
يعني بذلك: ما يكون في غد. وبقول الحطيئة: [البحر الكامل]
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
يعني: يشهد. وكما قال الآخر: [البحر الوافر]
فما أضحي ولا أمسيت إلا ... أراني منكم في كوفان
فقال: أضحي، ثم قال: ولا أمسيت. وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما قيل: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] فخاطبهم بالمستقبل من الفعل ومعناه الماضي، كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل، فيقول له: ويحك لم تكذب ولم تبغض نفسك إلى الناس؟ كما قال الشاعر: [البحر الطويل]
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تقري به بدا PageEndV02P259 فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت؛ وذلك أن المعنى معروف، فجاز ذلك. قال: ومثله في الكلام إذا نظرت في سيرة عمر لم تجده يسيء، المعنى: لم تجده أساء، فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه لم يقع في الوهم أنه مستقبل، فلذلك صلحت من قبل مع قوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] . قال: وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا، فتولوهم على ذلك ورضوا فنسب القتل إليهم. والصواب فيه من القول عندنا أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور، بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم، وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه، وارتكابهم معاصيه، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه، وأضاف ذلك إلى المخاطبين به؛ نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا وكذا، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا، على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا؛ يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. PageEndV02P260 فكذلك ذلك في قوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] إذ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن فعل السالفين منهم على نحو الذي بينا، جاز أن يقال من قبل إذ كان معناه: قل فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل؟ وكان معلوما بأن قوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} [البقرة: 91] إنما هو خبر عن فعل سلفهم. وتأويل قوله: {من قبل} [البقرة: 25] أي من قبل اليوم
#
