شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2

ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص302

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

وقد حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله يعني العتكي، عن رجل، من قريش، قال: " سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: «أسألكم PageEndV02P302 بكتابكم الذي تقرءون هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟» فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهريق الدماء. فأنزل الله: {من كان عدوا لله وملائكته} [البقرة: 98] الآية "

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له إن جبريل الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا. فقال له عمر: " {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] " قال: فنزلت على لسان عمر وهذا الخبر يدل على أن الله أنزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو، وأن عدو محمد من الناس كلهم لمن الكافرين بالله الجاحدين آياته. فإن قال قائل: أوليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟ قيل: بلى. فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما، وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟ قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن اليهود لما قالت: جبريل عدونا وميكائيل ولينا، وزعمت أنها كفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريل صاحب محمد صلى الله عليه وسلم، أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا، فإن الله له عدو، وأنه من PageEndV02P303 الكافرين. فنص عليه باسمه، وعلى ميكائيل باسمه، لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله من كان عدوا لله وملائكته ورسله، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء، لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه. وكذلك قوله: {ورسله} [البقرة: 98] فلست يا محمد داخلا فيهم. فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين. وأما إظهار اسم الله في قوله: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] وتكريره فيه. وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال: {من كان عدوا لله وملائكته} [البقرة: 98] فلئلا يلتبس - لو ظهر ذلك بكناية، فقيل: فإنه عدو للكافرين - على سامعه من المعني بالهاء التي في (فإنه) آلله أم رسل الله جل ثناؤه، أم جبريل، أم ميكائيل؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت. فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعنى بذلك لاحتمال الكلام ما وصفت. وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر: [البحر الكامل]

ليت الغراب غداة ينعب دائبا ... كان الغراب مقطع الأوداج PageEndV02P304 وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه. والأمر في ذلك بخلاف ما قال؛ وذلك أن الغراب الثاني لو كان مكنيا عنه لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم الغراب الأول، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه غير كناية اسم الغراب الأول؛ وأن قبل قوله: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] أسماء لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم إلا بتوقيف من حجة، فلذلك اختلف أمراهما

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية