شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2

ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص329

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: " كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته. فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به. فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر، فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان، فقال: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] الآية، فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام "

حدثني أبو السائب السوائي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: " كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها: جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه، قال: فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. قال: وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من نسائه أعطى الجرادة خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست بسليمان. قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال: فبرئ الناس من سليمان وأكفروه، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل جل ثناؤه: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] ، يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر، {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] ، فأنزل الله جل وعز وعذره "

حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: " أخذ سليمان من كل دابة عهدا، PageEndV02P325 فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد خلي عنه، فرأى الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان؛ فقال الله جل ثناؤه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] "

حدثنا أبو حميد، قال: ثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث، قال: بينا نحن عند ابن عباس إذ جاءه رجل، فقال له ابن عباس: من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون عليا خارج إليهم. ففزع فقال: ما تقول لا أبا لك. لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني أحدثكم من ذلك أنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيأتي أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا حدث منه صدق كذب معها سبعين كذبة، قال: فيشربها قلوب الناس؛ فأطلع الله عليها سليمان فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان بن داود قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز مثله؟ PageEndV02P326 تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر. فتناسخها الأمم، حتى بقاياهم ما يتحدث به أهل العراق. فأنزل الله عذر سليمان: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] "

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " ذكر لنا، والله أعلم: أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفشوه في الناس وأعلموهم إياه. فلما سمع بذلك سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم تتبع تلك الكتب، فأتى بها فدفنها تحت كرسيه كراهية أن يتعلمها الناس. فلما قبض الله نبيه سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه فعلموها الناس، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به، فعذر الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك، فقال جل ثناؤه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] "

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: " كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان. فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علم كتمناه سليمان. فقال الله جل وعز: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] "

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، ثنا حجاج قال: عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: " {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] قال: كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها. وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه؛ فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس "

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب، قال: " لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: «هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم» ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان قام إبليس خطيبا، فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا، وإنما كان ساحرا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرا، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا، فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا يركب الريح. فأنزل الله عذر سليمان: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] الآية "

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق: " {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا، والله ما كان إلا ساحرا. فأنزل الله في ذلك من قولهم: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] أي باتباعهم السحر وعملهم به {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} [البقرة: 102] " قال أبو جعفر: فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، وتأويل قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] ما ذكرنا؛ فتبين أن في الكلام متروكا ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه، وأن معنى الكلام: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} [البقرة: 102] من السحر {على ملك سليمان} [البقرة: 102] فتضيفه إلى سليمان {وما كفر سليمان} [البقرة: 102] فيعمل بالسحر {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: 102] . وقد كان قتادة يتأول قوله: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] على ما قلنا

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن PageEndV02P329 قتادة، قوله: " {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] يقول: ما كان عن مشورته، ولا عن رضا منه؛ ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه " وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى تتلو وتوجيه من وجه ذلك إلى أن تتلوا بمعنى تلت، إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا وهو قوله: {واتبعوا} [البقرة: 102] وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك. وبينا فيه وفي نظيره الصواب من القول، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وأما معنى قوله: {ما تتلوا} [البقرة: 102] فإنه بمعنى الذي تتلو وهو السحر

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] أي السحر " قال أبو جعفر: ولعل قائلا أن يقول: أوما كان السحر إلا أيام سليمان؟ قيل له: بلى قد كان ذلك قبل ذلك، وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما أخبر عنهم، وقد كانوا قبل سليمان، وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر؛ قال: فكيف أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد PageEndV02P330 سليمان؟ قيل: لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمان على ما قد قدمنا البيان عنه، فأراد الله تعالى ذكره تبرئة سليمان مما نحلوه وأضافوا إليه مما كانوا وجدوه، إما في خزائنه وإما تحت كرسيه، على ما جاءت به الآثار التي قد ذكرناها من ذلك. فحصر الخبر عما كانت اليهود اتبعته فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره لذلك السبب. وإن كان الشياطين قد كانت تالية للسحر والكفر قبل ذلك

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية