جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص367
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: " { PageEndV02P368 ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة: 102] يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم " فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وقد قال قبل: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] فكيف يكونون عالمين بأن من تعلم السحر فلا خلاق لهم، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم؟ قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته من أنهم موصوفون بالجهل بما هم موصوفون بالعلم به، ولكن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما معنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. فقوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] ذم من الله تعالى ذكره فعل المتعلمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم برضاهم بالسحر عوضا عن دينهم الذي به نجاة أنفسهم من الهلكة، جهلا منهم بسوء عاقبة فعلهم وخسارة صفقة بيعهم، إذ كان قد يتعلم ذلك منهما من لا يعرف الله ولا يعرف حلاله وحرامه وأمره ونهيه. ثم عاد إلى الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما أنزل على الملكين. فأخبر عنهم أنهم قد علموا أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من PageEndV02P369 خلاق، ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله على علم منهم بها، ويكفرون بالله ورسله، ويؤثرون اتباع الشياطين، والعمل بما أحدثته من السحر على العمل بكتابه ووحيه وتنزيله، عنادا منهم وبغيا على رسله، وتعديا منهم لحدوده، على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب، فذلك تأويل قوله. وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] يعني به الشياطين، وأن قوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] يعني به الناس. وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف؛ وذلك أنهم مجمعون على أن قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] معني به اليهود دون الشياطين. ثم هو مع ذلك خلاف ما دل عليه التنزيل، لأن الآيات قبل قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] وبعد قوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] جاءت من الله بذم اليهود، وتوبيخهم على ضلالهم، وذما لهم على نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علمهم بخطأ فعلهم. فقوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] أحد تلك الأخبار عنهم. وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: {ولبئس ما شروا به PageEndV02P370 أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] فنفى عنهم العلم هم الذين وصفهم الله بقوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] وإنما نفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] من أجل أنهم لم يعملوا بما علموا، وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه فهو في معاني الجهال. قال: وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل وإن كان بفعله عالما: لو علمت لأقصرت؛ كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده: [البحر الطويل]
إذا حضراني قلت لو تعلما به ... ألم تعلما أني من الزاد مرمل
فأخبر أنه قال لهما: لو تعلمانه، فنفى عنهما العلم. ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما. قالوا: فكذلك قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] و {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وهذا تأويل وإن كان له مخرج ووجه فإنه خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب. أعني بقوله: {ولقد علموا} [البقرة: 102] وقوله: {لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] وإنما هو استخراج. وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة من الوجه الذي يجب التسليم له بمعنى خلاف دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن، أولى
#
