جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص455
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هشام بن معاذ، قال: حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه» قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم. قال: فنزلت: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] قال قتادة: فقالوا إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] " قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا وإن كان لا شيء إلا وهو له PageEndV02P456 ملك؛ إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم إذ كان له ملكهم طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجه نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه، كما قيل: {وأشربوا في قلوبهم العجل} [البقرة: 93] وما أشبه ذلك. ومعنى الآية إذا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته؛ فولوا وجوهكم أيها المؤمنون نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي. فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص؛ وذلك أن قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] محتمل: أينما تولوا في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثم وجه الله؛ كما قال ابن عمر والنخعي ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا. ومحتمل: فأينما تولوا من أرض الله فتكونوا بها فثم قبلة الله التي توجهون PageEndV02P457 وجوهكم إليها؛ لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. كما قال أبو كريب
#
