شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2

ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص561

تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، قال: " لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر، قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه، فقال: يا إبراهيم ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص. فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت PageEndV02P561 هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا، قال: فعطش إسماعيل عطشا شديدا، قال: فصعدت هاجر الصفا فنظرت فلم تر شيئا، ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل، فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم، قال: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله، قال: وكلكما إلى كاف، قال: ففحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء. فقال: دعيه فإنها رواء "

حدثنا عبادة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا، قام إلى علي فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: " لا، ولكن هو أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعا، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج، ولها رأسان، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت PageEndV02P562 كتطوي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئا، فقال إبراهيم: لا، ابغ حجرا كما آمرك، قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرا، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل من السماء، فأتماه " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن سماك، سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي بنحوه فمن قال: رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل، أو قال: رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة. فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، ويكون الكلام حينئذ: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] يقولان: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] . PageEndV02P563 وقد كان يحتمل على هذا التأويل أن يكون المضمر من القول لإسماعيل خاصة دون إبراهيم، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل؛ لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل جميعا. وأما على التأويل الذي روي عن علي أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل، فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإسماعيل خاصة. والصواب من القول عندنا في ذلك أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا؛ وذلك أن إبراهيم وإسماعيل إن كانا هما بنياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضا رفعاها؛ لأن رفعها كان بهما من أحدهما البناء ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته. وإنما قلنا ما قلنا من ذلك لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك إلا وهو إما رجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان في حال بناء أبيه، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله PageEndV02P564 كذلك، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه، إما على البناء، وإما على نقل الحجارة. وأي ذلك كان منه فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فتأويل الكلام: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل} [البقرة: 127] يقولان: ربنا تقبل منا عملنا وطاعتنا إياك وعبادتنا لك في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه إنك أنت السميع العليم. وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه ولا منزلا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك؛ ولذلك قالا: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127] . ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهما لم يكن لقولهما: {تقبل منا} [البقرة: 127] وجه مفهوم، لأنه كانا يكونان لو كان الأمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه

#

الصفحة السابقة الصفحة التالية