جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 2
ابن جرير الطبري • التفسير • ج2 ص71
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
وقال آخرون بما حدثني به ابن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " قوله {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] يعني الحيتان جعلها نكالا لما بين يديها {وما خلفها} [البقرة: 66] من الذنوب التي PageEndV02P072 عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان، فذلك قوله {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] " وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس؛ وذلك لما وصفنا من أن الهاء والألف في قوله: {فجعلناها نكالا} [البقرة: 66] بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها، من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته. وبذلك يخوفهم. وفي إبانته عز ذكره بقوله: {نكالا} [البقرة: 66] أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم ما يعلم أنه عنى بقوله: {فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها، دون غيره من المعاني. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها، فكذلك العائد في قوله: {لما بين يديها وما خلفها} [البقرة: 66] من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتين في قوله: {فجعلناها} [البقرة: 66] أولى من أن يكون من غيره. فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم، ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم، أن يعمل بها عامل، فيمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم؛ تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون فيعاقبوا عقوبتهم. وأما الذي قال في تأويل ذلك: {فجعلناها} [البقرة: 66] يعني الحيتان عقوبة لما بين PageEndV02P073 يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم، فإنه أبعد في الانتزاع؛ وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال: {فجعلناها} [البقرة: 66] فإن ظن ظان أن ذلك جائز وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر، لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض. وأما تأويل من تأول ذلك: لما بين يديها من القرى وما خلفها، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك بما بين يدي الحيتان وما خلفها
#
