جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 3
ابن جرير الطبري • التفسير • ج3 ص166
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام. من كل شهر، ثم إن الله جل وعز فرض شهر رمضان فأنزل الله تعالى ذكره: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] حتى بلغ: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم مسكينا. ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصوم فأنزل الله عز وجل: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر} [البقرة: 185] . إلى آخر الآية "
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: حدثنا أصحابنا، " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا غير فريضة، قال: ثم نزل صيام رمضان، قال: وكانوا قوما لم يتعودوا الصيام، قال: وكان يشتد عليهم الصوم، قال: فكان من لم يصم أطعم مسكينا، ثم نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] فكانت الرخصة للمريض، والمسافر، وأمرنا بالصيام " قال محمد بن المثنى: قوله قال عمرو، حدثنا أصحابنا: يريد ابن أبي ليلى، كأن ابن أبي ليلى، القائل حدثنا أصحابنا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى فذكر نحوه
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قال " كان من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم نصف صاع مسكينا، فنسخها {شهر رمضان} [البقرة: 185] إلى قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] "
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، بنحوه، وزاد فيه قال «فنسختها هذه الآية، وصارت الآية الأولى للشيخ الذي لا يستطيع الصوم يتصدق مكان كل يوم على مسكين نصف صاع»
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح أبو تميلة، قال: ثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، والحسن البصري، قوله " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] فكان من شاء منهم أن يصوم صام، ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه. ثم قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ثم استثنى من ذلك فقال: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] "
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سألت الأعمش عن قوله " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] فحدثنا عن إبراهيم، عن علقمة، قالا: نسختها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]
حدثنا عمر بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال " نسخت هذه الآية يعني: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] التي بعدها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] "
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قال: نسختها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] "
حدثنا الوليد بن شجاع أبو همام، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال " نزلت هذه الآية: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] كان الرجل يفطر فيتصدق عن كل يوم على مسكين طعاما، ثم نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] فلم تنزل الرخصة إلا للمريض، والمسافر "
حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي، قال " نزلت هذه الآية للناس عامة: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] وكان الرجل يفطر، ويتصدق بطعامه على مسكين، ثم نزلت هذه الآية: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] قال: فلم تنزل الرخصة إلا للمريض، والمسافر "
حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء، وهو يأكل في شهر رمضان فقال: " إني شيخ كبير إن الصوم نزل، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر، وأطعم مسكينا، حتى نزلت هذه الآية: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضا، أو مسافرا، أو شيخا كبيرا مثلي يفتدي "
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: قال الله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم PageEndV03P165 الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] قال ابن شهاب، " كتب الله الصيام علينا، فكان من شاء افتدى ممن يطيق الصيام من صحيح أو مريض أو مسافر، ولم يكن عليه غير ذلك. فلما أوجب الله على من شهد الشهر الصيام، فمن كان صحيحا يطيقه وضع عنه الفدية، وكان من كان على سفر أو كان مريضا فعدة من أيام أخر. قال: وبقيت الفدية التي كانت تقبل قبل ذلك للكبير الذي لا يطيق الصيام، والذي يعرض له العطش أو العلة التي لا يستطيع معها الصيام "
حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال " جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مسكين، فمن شاء من مسافر، أو مقيم أن يطعم مسكينا، ويفطر كان ذلك رخصة له، فأنزل الله في الصوم الآخر: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ولم يذكر الله في الصوم الآخر فدية طعام مسكين، فنسخت الفدية، وثبت في الصوم الآخر: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] وهو الإفطار في السفر، وجعله عدة من أيام أخر "
حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: أخبرني عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، قال بكر بن عبد الله، عن يزيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع، أنه قال " كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت: {فمن شهد PageEndV03P166 منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] "
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن الشعبي في قوله " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قال: كانت الناس كلهم، فلما نزلت: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] أمروا بالصوم، والقضاء، فقال: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] "
حدثنا هناد، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قال: نسختها الآية التي بعدها: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184] "
حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن محمد بن سليمان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، " {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] قال: نسختها الآية التي تليها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] "
حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: ثنا الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] الآية، " فرض الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة، فإذا صلى الرجل العتمة حرم عليه الطعام، والجماع إلى مثلها من القابلة، ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام، والجماع بالليل PageEndV03P167 كله، وهو قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} [البقرة: 187] إلى قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] وأحل الجماع أيضا فقال: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] وكان في الصوم الأول الفدية، فمن شاء من مسافر، أو مقيم أن يطعم مسكينا ويفطر فعل ذلك، ولم يذكر الله تعالى ذكره في الصوم الآخر الفدية، وقال: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية " وقال آخرون: بل كان قوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] حكما خاصا للشيخ الكبير، والعجوز اللذين يطيقان الصوم كان مرخصا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين، ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتا لهما حينئذ بحاله.
#
