جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 3
ابن جرير الطبري • التفسير • ج3 ص276
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل. فجعل تعالى ذكره بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظير ذلك قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات: 11] وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضا، ولا يقتل بعضكم بعضا؛ لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه، وكذلك تفعل العرب تكني عن أنفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: أخي، وأخوك أينا أبطش، تعني أنا، وأنت نصطرع فننظر أينا أشد، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه؛ ومن ذلك قول الشاعر: [البحر المتقارب]
أخي وأخوك ببطن النسير ... ليس لنا من معد عريب
فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. وأما قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188] فإنه يعني: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام لتأكلوا فريقا، طائفة من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون.
#
