جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري) — ج 3
ابن جرير الطبري • التفسير • ج3 ص309
تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي — دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الله له منهم، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة. قال الله جل ثناؤه: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] "
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] فهم المشركون كانوا حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت، ففخروا عليه بذلك، فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله الله البيت الحرام واقتص له منهم "
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله " {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] حتى فرغ من الآية. قال: هذا كله قد نسخ، أمره أن يجاهد المشركين وقرأ: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وقرأ: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] العرب، فلما فرغ منهم، قال الله جل ثناؤه: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] حتى بلغ قوله: {وهم صاغرون} [التوبة: 29] قال: وهم الروم قال: فوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال «أمركم الله بالقصاص، ويأخذ منكم العدوان»
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء، وسألته عن قوله: {الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص} [البقرة: 194] قال: " نزلت في الحديبية، منعوا في الشهر الحرام، فنزلت: {الشهر الحرام بالشهر الحرام} [البقرة: 194] عمرة في شهر حرام بعمرة في شهر حرام " وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القعدة الشهر الحرام؛ لأن العرب في الجاهلية كانت تحرم فيه القتال والقتل وتضع فيه السلاح، ولا يقتل فيه أحد أحدا ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه. وإنما كانوا سموه ذا القعدة لقعودهم فيه عن المغازي، والحروب، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تسميه به. وأما الحرمات فإنها جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة. وإنما قال جل ثناؤه: {والحرمات قصاص} [البقرة: 194] فجمع، لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه: دخولكم الحرم بإحرامكم هذا في شهركم هذا الحرام قصاص مما منعتم من مثله عامكم الماضي، وذلك هو الحرمات التي جعلها الله قصاصا. وقد بينا أن القصاص هو المجازاة من جهة الفعل أو القول أو البدن، وهو في هذا الموضع من جهة الفعل
#
